تتصارع أميركا الآن مع المخاوف النووية لحليفتها المقربة، كوريا الجنوبية. وفي 29 فبراير الماضي، توصلت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى اتفاق تعهدت فيه الأخيرة بوقف تطويرها للأسلحة النووية في مقابل حصولها على المساعدات الغذائية.
ولكن الكوريين الجنوبيين يعلمون أنه من غير المرجح أن تتخلى كوريا الشمالية، التي تعاني من الفقر، عن برامج الأسلحة النووية الخاصة بها، بغض النظر عما تتعهد به. ويبدو أن شكوى وزير الدفاع الاميركي السابق روبرت غيتس من أنه «سئم من شراء الحصان ذاته مرتين» من كوريا الشمالية قد تم نسيانها.
ومما لا شك فيه أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما كان لها بعض التأثير الإيجابي على كوريا الشمالية، التي وافقت الآن على وقف إطلاق الصواريخ طويلة المدى، والتجارب النووية، والأنشطة النووية في منشأة يونغبيون.
وعلاوة على ذلك، فإن نظام كوريا الشمالية الشيوعي المغلق سيستقبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقابل الحصول على المساعدات الغذائية. إلا أن هذا النوع من الوعود عادة ما يكون قصير الأجل.
ويقول الناقدون ان الإغراء بالمساعدات الانسانية قد يمنع كوريا الشمالية من دفع برنامجها للأسلحة النووية قدماً، ولكنهم يخشون من أن حكومة الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك قد ترفض دعم الجهود الأميركية.
ويأمل بعض الكوريين الجنوبيين أن يسهم الاتفاق الأخير في تمهيد الطريق لإحياء المحادثات السداسية، التي تضم كلاً من الكوريتين والولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا، والتي دخلت في طور السبات منذ أواخر عام 2008، وكذلك للتحدث بشأن مجموعة واسعة من القضايا الاستراتيجية والاقتصادية.
ودفعت حكومة كوريا الجنوبية، في نظر الناقدين الليبراليين واليساريين، ثمنا باهظاً لقاء تخليها عن كوريا الشمالية منذ استلام لي مقاليد السلطة.
وفي الواقع، يرى المتشائمون الآن تغييراً جوهرياً في نظرة الكوريين الجنوبيين إلى الولايات المتحدة. وفي حين أنه لا يرجح لأي من الحكومة أو الشعب أن يبتعدا عن أميركا ويتجها نحو الصين، فإن كوريا الجنوبية شرعت في التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال مستعدة لضمان مصالحها الأمنية الجوهرية.
وما لم يسهم اتفاق التجارة الحرة الذي أبرم أخيراً بين البلدين، والذي سرى العمل به اعتباراً من 15 مارس الجاري، في ملء هذه الفجوة الاقتصادية الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء في كوريا الجنوبية، فإن ذلك قد يحرض المزيد من المشاعر المناهضة للولايات المتحدة.
ويؤكد أحزاب المعارضة والناقدون من ذوي التوجهات اليسارية على أن الاتفاق لن يسفر سوى عن تعميق انعدام المساواة في العلاقات الثنائية.
وفي رسالة موجهة إلى أوباما، دعت أحزاب المعارضة في كوريا الجنوبية الرئيس الأميركي إلى اعادة النظر في اتفاق التجارة الحرة. ومع أخذ انتخابات أبريل العامة بعين الاعتبار، أعلن الحزب الديمقراطي الموحد المعارض أنه سيطالب أميركا بإعادة التفاوض، وهو موقف منافق، بالنظر إلى أن الحزب أيد معظم الاتفاق خلال ولاية الرئيس الكوري الجنوبي السابق روه مو هيون.
ويرى هؤلاء المشككون «الليبراليون متحجرو الفكر» أميركا، كما قال روه الراحل ساخرا، من منظور ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت الولايات المتحدة تدعم دكتاتورية كوريا الجنوبية.
وعلى امتداد 58 عاماً، مثل التحالف الثنائي مع كوريا الجنوبية حجر الزاوية في العقيدة الاستراتيجية الأميركية لمنطقة شمال شرق آسيا. ولا يزال كلا البلدين يتقاسمان مصلحة مشتركة في غاية الأهمية، وهي منع الانتشار النووي واحتواء برنامج كوريا الشمالية النووي.