على امتداد عقد من الزمن، حاربت القوات الأميركية وقتل جنودها دفاعا عن حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي. ومنذ فترة وجيزة، وعلى مرأى من وزير الدفاع الأميركي في كابول، طالب قرضاي بأن تتوقف تلك القوات عن القتال من أجله. حيث قال في بيان أصدره: «إن أفغانستان مستعدة الآن لتحمل جميع المسؤوليات الأمنية بشكل كامل».
وعلى الرغم من وجود العديد من الأدلة التي تثبت عكس ذلك، فإنه من المغري أن نفترض أن تصريح قرضاي هو مجرد استفزاز آخر من زعيم أنهكته الحرب، وأغضبته الهفوات العسكرية الأميركية، وآخرها كانت حملة إطلاق نار شنها أخيراً رقيب في الجيش الأميركي، أسفرت عن مقتل 16 مدنياً أفغانياً. وقال قرضاي إنه «قد طفح به الكيل» من طريقة تعامل الجيش الأميركي مع الحادثة.
ولكنه لا يصب جام غضبه على الأميركيين، الذين تبدو قوتهم وأموالهم ضرورية لبقائه، لمجرد أنه يشعر بالإحباط بسبب عدم قدرته على السيطرة على سلوكهم. ولكن رد فعل الرئيس الأفغاني متأصل في تطوره على مدى نحو عقد من قيادة البلاد.
فما الذي كان يفكر به حقا؟ عندما يتحدث قرضاي، ما الذي ينبغي لأميركا أن تسمعه؟ خلال الشهر الماضي، دارت حوارات مع عدد من مساعدي قرضاي الحاليين والسابقين حول وجهات نظره بشأن الوجود الأميركي في أفغانستان.
وقد وصفوا رئيساً باتت شخصيته ومعتقداته السياسية معارضة للنهج الأميركي من حيث المبدأ. وليس خطابه مجرد حيلة للاستهلاك المحلي الأفغاني، أو لغرض إظهار أنه ليس رئيساً بمثابة دمية، كما يشير مسؤولون أميركيون في بعض الأحيان، بل هو نتاج كره عميق الجذور للعنف وشك لا يتزعزع في دوافع الولايات المتحدة في أفغانستان.
وعلى امتداد معظم فترته الرئاسية الثانية، تمسك قرضاي باعتقاده بأن القوات الأميركية تفتعل المشكلات أكثر من إيجادها للحلول في الحرب ضد طالبان. وساهمت الاعتداءات الأخيرة، بما في ذلك شريط الفيديو الفيروسي الذي يصور فيما يبدو جنوداً من مشاة البحرية الأميركية يدنسون مجموعة من الجثث.
وحادثة حرق المصاحف على أيدي عسكريين أميركيين، وسقوط ضحايا من المدنيين في إقليم قندهار، في تعزيز حجته القائلة بأن استراتيجية مكافحة التمرد الأميركية تسفر عن نتائج عكسية. وتأتي مطالبته بأن تبقى قوات حلف شمال الأطلسي بعيدا عن القرى الأفغانية.
وتنسحب إلى قواعد كبيرة بعد سلسلة من الأوامر السابقة، بما في ذلك وقف غارات «ناتو» الجوية، غارات «العمليات الخاصة» الليلية وتفتيش المنازل، وإلغاء شركات الأمن الخاصة، وفرق إعادة إعمار المحافظات التابعة لــ «ناتو» والسجون التي تديرها أميركا.
إن جذور وجهات نظر قرضاي قديمة قدم الحرب، ولكن المواجهة مع الولايات المتحدة اشتدت خلال حملة إعادة انتخابه في عام 2009، وهي الفترة التي وصفها أحد مساعديه بــ «الجرح الذي لم يلتئم». ويقول مسؤولون في قصر قرضاي إنه أصبح على اقتناع بأن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما سعت جاهدة إلى هندسة هزيمته.
وعندما انتصر، كما يقول المسؤولون، نظر إلى التركيز الأميركي الجديد على محاربة الفساد في الحكومة الأفغانية على أنه وسيلة أخرى لتشويه سمعته. وفي حال أسدى إليه مساعدوه في القصر نصيحة اعتبرها مؤيدة للولايات المتحدة أكثر مما ينبغي، كان يرفضها في بعض الأحيان على أنها شبيهة بالتلاعب الذي يحصل في «المبنى الأصفر»، كما كان يطلق على السفارة الأميركية الكائنة في نهاية الشارع.