أسفرت محاكمة الحكومة المصرية لسبعة نشطاء ديمقراطيين أميركيين، مؤخراً، عن أزمة في العلاقات المصرية الأميركية استمرت شهرين.
ولكن بعد أن هددت واشنطن بحرمان مصر من مساعداتها العسكرية البالغة قيمتها 1.3 مليار دولار سنوياً، هدأت المواجهة بسرعة، إذ تنحى القاضي الذي كان ينظر القضية، وتم رفع حظر السفر عن النشطاء الأميركيين، ومعظمهم كان في طريق العودة إلى الوطن بحلول مطلع الشهر الجاري.
وكان هذا التحول السريع للأحداث مفاجئاً بالنسبة للعديد من الأميركيين، ولكن لا ينبغي له أن يكون كذلك. فقد استهدفت المحاكمات الأميركيين، غير أنها لم تتعلق بهم حقيقة. وكان النشطاء الديمقراطيون مجرد بيادق في صراع قوة محلي مرير حول مستقبل مصر، تبارت فيه جماعات متنافسة من خلال مخاطبة المشاعر المناهضة لأميركا.
ولذلك، فإن الأزمة لم تغير مصالح أميركا الأساسية في مصر، ولكن ينبغي لها أن تدفع واشنطن إلى وضع استراتيجية لإقناع مختلف القوى السياسية في مصر، بالتعاون في السعي لتحقيق تلك المصالح، بدلاً من السماح للجهود التي ترعاها أميركا بأن تتحول إلى مباريات كرة قدم سياسية هناك.
منذ انتهاء الحرب الباردة والحكومة الأميركية تسعى إلى تشجيع الديمقراطية في الخارج، من خلال دعمها للمنظمات المؤيدة للديمقراطية، ومنها اثنتان، هما المعهد الجمهوري الدولي والمعهد الديمقراطي الوطني، تم استهدافهما في هذه الأزمة.
وتعمل كلتا المنظمتين، اللتين أسسهما الكونغرس عام 1983، على تدريب الأحزاب السياسية، ومراقبة الانتخابات، والمساعدة في بناء المجتمع المدني. ولكن الدعم الذي تقدمانه للمنشقين، غالباً ما يقود الأنظمة الاستبدادية إلى تقييد أنشطتهما، والادعاء بأنهما تنتهكان سيادة البلد المضيف.
وفي مصر، كانت فايزة أبو النجا، وهي وزيرة التخطيط والتعاون الدولي منذ عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، هي المسؤولة عن استهداف ذلك النوع من المنظمات. فمنذ عام 2004 وهي تسعى إلى التأكد من أن أي تمويل أجنبي للمنظمات غير الحكومية، يتدفق عبر وزارتها.
وذلك مكنها من تحجيم الموارد المتاحة للنشطاء المصريين، بمن فيهم العديد من المتظاهرين الذين أطاحت مظاهراتهم بحسني مبارك قبل عام. وفي وقت سابق من الصيف الماضي، فتحت أبو النجا تحقيقاً ضد المنظمات غير الحكومية الممولة من جهات أجنبية، ويوم 29 ديسمبر الماضي داهمت قوات الأمن المصرية عشراً منها، بما في ذلك 4 منظمات أميركية.
وحقيقة أن المحنة التي مر بها الأميركيون لم تكن متعلقة بهم، بل بالصراع المصري الداخلي على السلطة، تترك المصالح الأميركية في مصر دون أي تغيير جوهري. ولكن لتجنب الوقوع مرة أخرى كبيدق شطرنج بين أحزاب مصر المتناحرة، فإنه يتعين على واشنطن أن تجعل المساعدات الاقتصادية المقدمة مستقبلاً لمصر، متوقفة على اتفاق يلزم جميع الأحزاب باحترام هذه المصالح. وهناك سبب وجيه للاعتقاد أن هذا الشرط قد يجدي نفعاً، وهو أن مصر في طريقها إلى الإفلاس، وأن واشنطن تتمتع بنفوذ فريد على القاهرة، من خلال نفوذها في المؤسسات المالية الدولية.
وبما أن أياً من الأحزاب لا يريد أن يكون مسؤولاً عن إبطال اتفاق يتضمن توفير المساعدات المطلوبة بشدة، مقابل عقد شراكة مع واشنطن، فقد يصبح بالإمكان توحيد اللاعبين المتنافسين في مصر، في دعم مثل هذه الصفقة. وبهذه الطريقة، قد يصبح بالإمكان حماية المصالح الأميركية من التحول إلى مباريات كرة قدم سياسية مصرية مرة أخرى.