يسهل قول ما لا تمثله الأشهر الثلاثة الماضية من الاحتجاجات الحاشدة ضد الرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين، إنها لا تمثل تكراراً روسياً لأحداث الربيع العربي، كما أنها لا تمثل نسخة شمالية عن الثورة البرتقالية الأوكرانية. وفي نفس الوقت، فإن الغضب الذي نجم عن التلاعب في الانتخابات البرلمانية الروسية في ديسمبر الماضي، لم يمثل ظاهرة وطنية حقيقية، كما اتضح مؤخراً، وكانت موسكو المنطقة الوحيدة في روسيا التي لم يحصل فيها بوتين على الأغلبية.
ومع ذلك، فإنه سيكون من الخطأ بدرجة موازية، أن نتجاهل أكبر موجة من التظاهرات المناهضة للكرملين على امتداد عقود، باعتبارها مجرد سراب، ومجرد كابوس تعافى منه بوتين، الذي كان يبكي منذ أيام قليلة، بصورة سريعة.
وقد شكلت أعداد المتظاهرين الذين خرجوا بعد أسبوع من صدور النتائج، جزءاً بسيطاً من أعداد المتظاهرين الذين شاركوا في الاحتجاجات التي سبقت الانتخابات الرئاسية. ولكن هذا لا يعني انتصار خطة بوتين من أجل «الاستقرار» أو استمرار الوضع الراهن، فالحكم على ذلك يجب أن ينتظر الأزمة الوطنية التالية، التي قد تأتي في هيئة «كورسك» أخرى، أو «بيسلان» أخرى، أو صدمة اقتصادية.
لقد خلفت حركة الاحتجاج أثرين لا يمكن محوهما. فقد أثبتت أن روح الديمقراطية في روسيا، التي تم التعبير عنها في التوق إلى التعددية السياسية وسيادة القانون ومجتمع مدني نشط، لم تأت وتذهب في بداية تسعينات القرن الماضي. فهي تبقى كامنة في روسيا، في انتظار وقتها المناسب. وأظهرت الحركة أيضاً أن جيلاً جديداً من الروس، شاباً بشكل عام وغير ملوث بالفوضى والفساد، اللذين ميزا عهد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين، كان مستعداً لالتقاط هراوات الإصلاح.
ولذا فإنه من الحماقة أن يعتقد بوتين أنه أسر قلوب الروس من جديد، لمجرد أنه حصل على نسبة 64% من الأصوات. وقد ضمن لنفسه فترة رئاسية أخرى على العموم بسبب سلسلة من السلبيات، بما في ذلك أن المعارضة لم تكن موحدة، ولم تتمتع بالخبرة السياسية، ولم تكن قد ولدت زعماء وطنيين بعد، ولم تملك وسيلة لتثبت للروس خارج مدينتي موسكو وسان بطرسبرغ، أنهم كانوا يشكلون بديلاً قادراً على البقاء، كما أن أعضاءها أنفسهم لم يرغبوا في إطلاق ثورة. وينبغي لبوتين ألا يخلط بين الخوف من الفوضى، وبين الدعم الإيجابي.
وبالمثل، فإن العمل الشاق بالنسبة للمعارضة يبدأ لتوه الآن. فقد كان ملء الشوارع أمراً سهلاً للغاية، ولكن بناء الوعي بمجتمع مدني في أماكن لا وجود له فيها، وإفاقة «روسيا العميقة» من سباتها، يمثلان مهمة أقل سهولة.
ولو لم تكن هشاشة بوتين على الصعيد الشخصي فقط، وإنما نابعة من فشل النظام الذي وضعه، فستتمثل إذن مهمة المعارضة غير المصرح بها، والتي تعمل خارج نطاق سيطرة الكرملين، في التصرف بشكل مختلف عن أجيال من القادة الذين سبقوها، وذلك من خلال بناء الدوائر الانتخابية من أسفل إلى أعلى.
وسيكون من غير المألوف أن يمثل القادة السياسيون شعبهم، بدلا من تمثيلهم أنفسهم، ولكن هذا هو ما يجب أن يحدث.