يقدم قانون الانتخابات الجديد في ليبيا، الذي أقره المجلس الوطني الانتقالي في فبراير الماضي، مبادئ توجيهية لاختيار أول حكومة ديمقراطية في تاريخ البلاد.

 وأشاد كثيرون، بمن فيهم الأمم المتحدة، بتمرير القانون باعتباره خطوة مهمة على طريق ليبيا السياسي الوعر. ولكن حتى لو تم، وفقاً للخطة، انتخاب حكومة في وقت لاحق من العام الجاري، فإن القانون يشتمل على بند قد يضمن استمرار معاناة ليبيا من عدم الاستقرار وزعزعة الأمن الاقتصادي، وهو ما يشكل خطراً عليها وعلى جيرانها.

والبند المقصود، هو ذلك الذي يمنع عناصر الجيش من التصويت. ويشكل استثناء الجنود من الانتخابات، مصدر قلق مفهوم وحقيقي بالنسبة للدول التي تنتقل من الديكتاتورية، التي تعتمد على الجيوش الوحشية في قمع الدعم المحلي للديمقراطية. وليبيا تندرج بوضوح ضمن هذه الفئة، فقد كان نظام العقيد معمر القذافي عنيفاً على نحو قاس، وكان الجيش غالباً وسيلة لإظهار ذلك العنف.

وفي الدول الانتقالية الخارجة من الصراع، لا يهدف سَنّ مثل هذه القوانين إلى إبقاء الجنرالات خارج القصر الرئاسي فحسب، ولكن أيضاً إلى ضمان أن يظل الجيش يشكل هيئة مهنية، مسؤولة عن تأمين سيادة البلاد وحماية مصالحها الوطنية.

وتقدم مصر، جارة ليبيا الشرقية، درساً تحذيرياً. ففي القاهرة، استولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الحكم بعد الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، ورغم تأكيد المجلس على أنه سيسلِّم السلطة إلى السلطات المدنية، فإنه لم يفعل ذلك، ومن غير المرجح أنه سيفعل ذلك قريباً.

وفي الوقت نفسه، فإن ما يصلح في بلدان أخرى قد يسفر عن نتائج عكسية في ليبيا. وخلافاً لمصر، فإن الجيش الليبي ضعيف، واحتمال تحوله إلى كتلة سياسية ضئيل للغاية.

وبدلًا من ذلك، فإن ليبيا غارقة في الميليشيات، التي تسلحت تسليحاً جيداً بعد مداهمتها لمستودعات أسلحة القذافي خلال المراحل النشطة من الصراع. وتتصرف الميليشيات بحصانة من العقاب، وتعجز الحكومة الليبية عن فعل شيء أكثر من مناشدتها للميليشيات بالتخلي عن أسلحتها. والمناورات السياسية، ومنها دمج زعماء ميليشيات سابقين في مجلس وزراء عبد الرحيم الكيب، القائم بأعمال رئيس الوزراء، باءت جميعها بالفشل.

وبعبارة أخرى، فإن المجلس الانتقالي والكيب، يحكمان شعباً يفوقهما تسليحاً. ويتمثل أحد الحلول المقترحة لمعالجة هذا الوضع، في ضم أكثر من 50 ألفاً من أعضاء الميليشيات، إلى جيش ليبي نظامي ومهني يخضع لسيطرة وزارة الدفاع، (ويفترض أن يقوم أعضاء آخرون بتسليم أسلحتهم من تلقاء أنفسهم مع زيادة الفرص الاقتصادية، فيما يتم نزع السلاح ممن تبقى عبر برامج إعادة شراء الأسلحة).

وهذه هي مشكلة قانون الانتخابات، فلماذا قد تقدم الميليشيات، التي يستطيع أعضاؤها التصويت، وبالتالي التعبير عن أنفسهم ككتلة قوية، على تسريح أعضائها ليتمكنوا من الانضمام إلى الجيش، المستبعد صراحة من الانتخابات؟

وبعبارة أخرى، فإن نتائج القانون، التي ستحافظ على وجود الميليشيات، ستتعارض بشكل مباشر مع هدفه، وهو تحجيم دور الجماعات المسلحة في السياسة الليبية. وطالما أن الميليشيات تتمتع بالسلطة، فإن تطبيع الاقتصاد الليبي سيتأخر، إذ إن السماح لجماعات من خارج الحكومة بتشكيل البيئة الأمنية، سيدفع المستثمرين الخارجيين، لا سيما شركات النفط، إلى الحذر من العودة إلى البلاد.

وفي غياب الشركات الأجنبية، لن يعود إنتاج النفط الليبي إلى مستويات ما قبل الصراع، بل وقد يرجع إلى الوراء، ومن الممكن أن تنخفض الإيرادات، في الوقت الذي تُعدّ الحكومة في أمسّ الحاجة إليها. إن تمرير قانون الانتخابات في غضون سنة من الثورة، يجب أن يقدم لليبيا الحرة سبباً للاحتفال. ولكن في هذه الحالة، فإن التمرير السريع لقانون انتخابي مَعيب، يعني أن المجلس الوطني الانتقالي يقف على أعتاب ترسيخ فشل ديمقراطي.