يصادف الحادي عشر من مارس، الذكرى السنوية الأولى لثلاث كوارث تاريخية وقعت في اليابان، وهي زلزال بلغت قوته 9.0 درجات، وتسونامي هائل، وانهيار المفاعلات النووية في فوكوشيما. ومن بين كل الدروس المستفادة حتى الآن من هذه المآسي، فإن أحدها على الأقل، يستطيع أن يعيد تشكيل المجتمع الياباني، وأن يكون بمثابة مصدر إلهام للدول الأخرى.
ويأتي هذا الدرس من الناجين من سكان البلدات الصغيرة، التي كانت واقعة على طول الساحل الشمالي الشرقي وجرفها التسونامي، حيث قتل ما يزيد على 19 ألفا من أسرهم وأصدقائهم. ولكن الاستجابة غير المناسبة للكارثة إلى حد كبير، صدرت عن الحكومة اليابانية المركزية، التي أجبرت أولئك الناجين على التراجع عن الفضيلة اليابانية القديمة «كوه»، أو الغاية الروحية المشتركة التي تتجلى في المساعدة المتبادلة.
وضع الناجون في تلك المنطقة حلولاً مجتمعية لمواجهة الخراب، بدلا من انتظار السياسيين والبيروقراطيين في طوكيو ليحركوا ساكناً. وحين لم يتبق لديهم سوى أدواتهم الخاصة، جاؤوا بنماذج للتعاون تستطيع فعاليتها في الحفاظ على مجتمعاتهم، أن تضاهي المساعدات الحكومية الموعودة. ففي الأسابيع الأولى التي تلت وقوع الكارثة، انهار اقتصاد السوق التقليدي، واضطر الجيران إلى تعلم كيفية مقايضة السلع والخدمات، ثم انتشرت المحلات المؤقتة في الطرقات، مسفرة عن إنشاء اقتصاد محلي معزول عن بقية اليابان.
وبعد ذلك، عمل 50 ألف متطوع على دعم روح التعاون تلك، إذ لم يساهم عمال الإغاثة في رفع الأنقاض وتوفير الإغاثة في حالات الكوارث فحسب، ولكن موقفهم ساهم في إحياء روح العطاء، في وقت خيمت عليه مشاعر المعاناة والخوف. وبشكل مثير للدهشة، تلقت جمعية الصليب الأحمر في اليابان أكثر من 3.7 مليارات دولار من التبرعات، وبعضها من دول خارجية. وعمد ثلاثة أشخاص من بين كل أربعة يابانيين، إلى تقديم المال لجماعات الإغاثة.
ونشأ اقتصاد يقوم على روح التعاون، ويتجلى بأفضل صورة في جماعات الصيادين، الذين يساعدون بعضهم في الجمعيات التعاونية. لقد مسح التسونامي 263 ميناء للصيد. وفي ما يخص الاقتصاد الرئيسي الآخر في المنطقة، أي الزراعة، فقد تعلم المزارعون أيضا أن يعملوا معاً بشكل وثيق. وبدأت الشركات اليابانية والأوساط الأكاديمية في التحرك، ليس فقط بسبب الدمار الذي حل بالمنطقة، ولكن أيضا بسبب روح المقيمين فيها، حيث تعتزم تويوتا، على سبيل المثال، بناء مصنع للسيارات في المنطقة. ونظمت مجموعة من الجامعات شبكة من المتطوعين، للمساعدة في إعادة بناء الصناعات المحلية وتشجيع السياحة.
لكن المشاحنات السياسية والتأخير في إعادة الإعمار، ناهيك عن المعلومات المضللة بشأن التسرب الإشعاعي في محطة فوكوشيما داييشي النووية، أسفرت عن معاناة أعضاء البرلمان والوزارات الحكومية من أزمة مصداقية، وشكلت انخفاضاً خطيراً في مستوى ثقة الجمهور في الحكومة. وكشفت الكوارث النقاب عن تاريخ طويل من التواطؤ التجاري الحكومي، وهو ما دفع الناجين إلى السعي لإيجاد حلول خاصة بهم.
وأدى إغلاق 52 محطة من أصل 54 للطاقة النووية في اليابان، بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، إلى تقديم مقترحات لإقامة مشاريع للطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المنطقة المنكوبة. وتعكس هذه الفكرة التي تهدف إلى الاعتماد على الذات في مجال الطاقة، الرغبة في بناء اقتصاد محلي لا يعتمد على بقية اليابان.