مثل أحداث الربيع العربي التي اندلعت العام الماضي، فإن الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها روسيا، تحمل علامات متعددة للثورات التي تحركها الشعوب للمطالبة بالديمقراطية.

لكن النظر إلى المسيرات ضد تزوير انتخابات تشريعية في ديسمبر الماضي كموجة سياسية في المقام الأول، بمثابة تفويت لاختمار أكثر جوهرية يحدث في المجتمع الروسي، المتمثل في الصحوة الأخلاقية والأقرب شبهاً بحركة الحقوق المدنية الأميركية.

فمن خلال لقاءات مع مجموعة متنوعة من القادة في المجتمع الروسي، قبل اندلاع حالة السخط ضد الانتخابات، تبين أن بعضهم يحارب الفساد، وآخرين يعملون للحفاظ على المباني التاريخية من الهدم، أو العمل على وقف التلوث.

كان الأمر المشترك بين هؤلاء جميعاً، هو أن هناك شعوراً عميقاً بأن تحقيق التحرير المستديم لوطنهم، لن يأتي إلا عن طريق تحقيق مجتمع مدني ناضج يحظى بالوعي الذاتي، ولديه القدرة والاستعداد للسيطرة على السلطة التنفيذية.

لقد أدركوا، بشكل حاسم، أن هذا التغيير يجب ألا يتم تنفيذه من أعلى بواسطة "قيصر جديد" أو بطل (وهي الوسيلة التقليدية للتحول في روسيا)، بل من خلال رغبة الناس في تجسيد مواطنة ديمقراطية راسخة أخلاقياً.

وأجمع هؤلاء القادة، على أن بذور هذا التطور سوف تنبت في حال تخلي الشعب الروسي عن الخوف واللامبالاة، وتحليه بالشجاعة والإرادة فحسب.

جاء الاختبار المبكر لهذا التصور، من خلال الاحتجاجات واسعة النطاق التي انطلقت أخيراً في موسكو. وكان ينظر إلى فوز رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين وحزب روسيا الموحدة، يوماً ما على أنه أمر لا مفر منه.

لقد تمكن بوتين من الفوز في الانتخابات ليتولى الرئاسة مجدداً، لكن الروس بدأوا يرون أنه يمكن أن يكون لديهم خيار آخر.

وبالفعل، فإن بعض النشطاء الروس كان لديهم التزام قوي مشترك للحفاظ على الطابع غير السياسي لمهمتهم، لكنهم لا يزالون يجدون أنفسهم مجبرين على مواجهة النظام.

فلنأخذ، على سبيل المثال، الناشطة الروسية يفغينيا شيريكوفا. فهي تقود مجموعة "إي سي إم أو"، التي تعمل من أجل حماية "غابات خيمكي" ذات أشجار التبولا في موسكو، من العمليات المتهورة لإنشاء الطرق السريعة. وقالت في مقابلة أجريت معها، أخيراً: "ليست لدي أي نوايا للخوض في السياسة. إن ممارسات النظام هي التي جعلتني زعيمة معارضة". وتعد شيريكوفا حالياً الأكثر بروزاً بين قادة حركة الاحتجاج السياسي.

وبمواجهة العيوب المتجذرة في نظام بوتين، فقد مرّ جميع النشطاء الآخرين بحالة تطور مماثلة. يبدو الأمر كما لو أنك بعد أن قررت تنظيف شقتك الصغيرة، تواجه حالة ارتباك بسبب مشكلات، تتمثل في تصاميم خاطئة وتسرب في السقوف وعدم وجود التدفئة والماء الساخن، والجدران المتداعية، وهي أمور خارجة عن إرادتك، وتتطلب عملية إصلاح مكلفة للمبنى بأكمله.

فلننظر في تطور ما كان ينبغي أن يكون المؤسسة الأقل اتساماً بالطابع "السياسي" في عينة المنظمات التي اعتمدتها، وهي اتحاد أصحاب السيارات الروس.

فقد كشف الاتحاد عن الفساد الرسمي الذي يتنامى، نتيجة "ضريبة النقل" التي تتم جبايتها عن كل سيارة في روسيا، ولكن بالإضافة إلى مطالب الاتحاد بـ"سيطرة القطاع العام على كل ما يرتبط بتشكيل الأسعار الاحتكارية وتشريعات الدولة والرسوم".