لم يكن هناك أي شك في أن الزعيم الروسي فلاديمير بوتين سيفوز بفترة رئاسية ثالثة. فقد وضع استطلاع للرأي أجراه مركز بحوث الرأي العام لعموم روسيا في منتصف فبراير الماضي، شعبية بوتين عند 53,5%، وهو فوز صريح بالفعل في الجولة الأولى، وتفوق بفارق 42 نقطة على أقرب منافس له، أي الزعيم الشيوعي غينادي زيوغانوف. لذا، فإن حقيقة أن النتائج الأولية للانتخابات أعطته حوالي 59%، لم تبد غريبة إلى حد كبير. وتتمثل القضيتان الحقيقيتان، في كيفية فوزه وجوانب خسارته.
وقبل إعلان النتائج الأولى للانتخابات بساعات، وصف زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني، الانتهاكات التي وقعت في هذه الانتخابات بأنها غير قابلة للدحض، والتقط أحد مصوري صحيفة "موسكو تايمز" صورة لحافلة مليئة بالأيدي المأجورة، تنتقل من مركز اقتراع إلى آخر في منطقة كوركينو، شمال غرب موسكو، وهو ما يشكل دليلاً على ما يسمى بدوامة التصويت. وكان نقل مؤيدي بوتين بالحافلات إلى العاصمة الروسية، من أجل تعزيز نصيبه من الأصوات في مدينة كان من شأنها أن تهينه لو تركت لها حرية التصويت، مكثفاً وصارخاً للغاية، إلى درجة أن أحد أعضاء منظمة "ناشي" الشبابية المؤيدة للكرملين، اعترف بأنه قد تم نقله إلى المدينة لغرض التصويت فقط.
وسرعان ما حظيت مزاعم نافالني بحدوث تزوير انتخابي واسع النطاق، بتأييد الحزب الشيوعي، الذي قال إنه لا يستطيع النظر إلى الانتخابات على أنها حرة ونزيهة بعد كم الشكاوى التي تلقاها.
ولا تدور المعركة التي تشهدها روسيا حالياً، حول حقيقة أن بوتين تمت إعادة انتخابه رئيساً للبلاد، بقدر ما تدور حول الغش الذي حصل. وستجعل النتيجة الوطنية معارضي بوتين أكثر تطرفاً، على نحو أقل فعالية مقارنة بالنتيجة المحلية. والفجوة بين النتائج الرسمية في كل من موسكو وسان بطرسبرغ، وبين ما يؤمن به سكان موسكو وسان بطرسبرغ في ضواحي مدينتهم، هي ما أشعل المظاهرات الأخيرة. وبعد أن سرقت منهم بالفعل جولة واحدة في ديسمبر الماضي، فستبدو الجولة الأخيرة وكأنها صفعة ثانية على وجوههم.
وما إذا كان هذا النوع من الأساليب يشكل تصرفاً حكيماً بالنسبة لرئيس كان سيفوز على أية حال، هو أمر مشكوك فيه في حقيقة الأمر. وفي خطاب فوزه الأخير، دعا بوتين إلى الوحدة الوطنية، إلا أن العروض الجماهيرية والوجود المكثف لقوات الشرطة، لم يشكلا وسيلة لتعزيز ذلك. وبعد انهيار شعبية حزبه، روسيا الموحدة، في ديسمبر الماضي، فإنه يحتاج الآن إلى بناء حزب وتوافق جديد في الآراء. ولا بد لذلك الحزب أن يكون تحالفاً، إذا كان الغرض منه معالجة القضايا الجوهرية التي دفعت الكثير من أفضل الروس وأكثرهم ذكاءً، إلى الخروج إلى الشوارع.
حتى الآن، لم يقدم بوتين سوى الحد الأدنى من التنازلات للصحوة الديمقراطية التي انطلقت في ديسمبر الماضي، إذ غير قوانين تسجيل الأحزاب والمرشحين في الانتخابات المقبلة، ولكنه لم يلمس شيئاً آخر. وحتى مؤيدوه لا يعرفون كيف سيتمكن من تجنب الركود، إذا واصل سيره على المسار نفسه. ولكن خصومه يعرفون شيئاً واحداً، وهو أنه كلما استمر بوتين في تمريغ وجوههم بسلطته، جازف بإثارة انفجار لا يريده أحد في روسيا.