كشف مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، عن خطط لخفض كبير في عدد الموظفين في السفارة الأميركية في بغداد، التي تشكل أكبر بعثة دبلوماسية أميركية في الخارج. وإلى جانب إعلان انسحاب جميع القوات الأميركية من العراق في ديسمبر الماضي، فإن الرسالة التي يرسلها الرئيس أوباما واضحة، وهي أننا كلما أسرعنا في وضع العراق خارج النطاق الرئيسي لاهتمامنا، كان ذلك أفضل.
ولكن هذا خطأ. فبدلاً من أن ننأى بأنفسنا عن العراق، يتعين علينا أن نقربه بدرجة أكبر. فقد يمثل العراق محوراً لاستراتيجية أميركية جديدة للشرق الأوسط، في الوقت الذي تشتد الحاجة إلى استراتيجية من ذلك النوع.
وقبل عام، بدت أميركا ملتزمة تجاه العراق على المدى الطويل، مع وجود عسكري صغير ولكن ضروري، وآخر دبلوماسي كبير. ولكن الازدواجية الأميركية والسياسة العراقية، عرقلتا الحفاظ على البصمة العسكرية الأميركية. ولا داعي للقلق، كما قال مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية، إذ سيتم استبدال القوات التي ترتدي ملابس مموهة، لتحل محلها أخرى ترتدي ملابس مخططة. ولكن الالتزام لم يتجاوز مجرد خطاب، فبعد خروج الجيش، قرر المسؤولون الأميركيون بسرعة، أن العراق كان أكثر تزعزعاً من أن يتم الانخراط بصورة كاملة ومستمرة مع حكومته.
ولسوء الحظ، فقد أخطأت الإدارة في تحديد السبب والنتيجة. فعلى الرغم من أن الاختلافات العرقية والدينية تجعل العمل مع العراقيين صعباً بلا شك، فإن إفصاح الولايات المتحدة عن عدم ثقتها في مستقبل العراق، هو ما ساعد على تعجيل تجدد العنف الطائفي، ونفخ الحياة في تنظيم القاعدة في العراق، وأفسح المجال لأسوأ غرائز رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
ويمكن لواشنطن أن تستعيد الشراكة مع المالكي، وأن تضع العراق مرة أخرى على الطريق إلى مستقبل مستقر. كيف؟ أولًا، يجب على الرئيس الأميركي إعادة النظر في قراره بتقليص السفارة الأميركية بشكل كبير. ومن السهل أن نفهم قراره، إذ يصعب على الكثيرين تخيل كيف يمكن لألوف الدبلوماسيين والمتعهدين ومديري المعونة وضباط الأمن والمسؤولين، أن يتدبروا أمرهم في ظل الوضع السياسي المعقد والمضطرب على نحو متزايد في بغداد.
وفي وضع مثالي، كانوا سيستطيعون فعل ذلك، لو أن أوباما كان على استعداد للعدول عن اتجاهه في ما يخص بقاء القوات الأميركية في العراق.
ولكن لمَ إعادة النظر في المفاوضات الفاشلة التي سبقت انسحاب القوات؟ لسبب واحد، وهو أنه في حين كانت الحكومة العراقية بلا شك شريك مفاوضات صعباً، فإن جميع الأحزاب الرئيسية في العراق تقريباً، صرحت علانية بأنها أرادت بقاء القوات الأميركية.
وبالنسبة للمالكي، فإن الوجود الأميركي يتيح فرصة للحفاظ على الاستثمارات الخارجية، ولاستعادة الاستقرار وتجديد الثقة الإقليمية في العراق.
ولكن من غير المرجح، في الواقع، أن يجازف أوباما بإغضاب قاعدته بأن يأخذ على عاتقه المهمة المعقدة، المتمثلة في إعادة فتح ملفات اتفاقات القوات مع العراق. وهذا لا يعني أن أي مشروع أميركي في العراق هو هالك لا محالة، ولكنه سيتطلب مضاعفة الالتزام تجاه حكومة العراق الديمقراطية، وبذل جهود عاجلة لدمج العراق في المجتمع الخليجي. ويتعين على الأميركيين، بالتنسيق مع الدول المجاورة للعراق، بما في ذلك تركيا والدول المطلة على الخليج، أن يحاربوا دبلوماسياً واقتصادياً من أجل المحافظة على الأراضي العراقية.