كيف ينبغي أن نقيس النجاح في أفغانستان؟ إنه سؤال في غاية الأهمية، ولكن لا يوجد هناك اتفاق كبير على إجابة له.

في منتصف يناير الماضي، نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" خبراً حول أحدث تقديرات الاستخبارات الوطنية الأميركية بشأن أفغانستان، وهو تقييم سري صاغه محللون في أكثر من عشر وكالات استخبارات أميركية. وهذا التقرير "يحذر من أن المكاسب الأمنية من زيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، قد تقوضت بسبب الفساد المتفشي والحكم غير الرشيد ومواصلة شن مقاتلي حركة طالبان هجمات انطلاقا من باكستان المجاورة". إن المسؤولين مسؤولية مباشرة عن الحرب، وهم كبار القادة العسكريين والسفير الأميركي في كابول، طعنوا في مصداقية نتائج التقرير، من خلال عريضة مكتوبة. ويسلط هذا النزاع الضوء على الصراع الدائر لتشكيل التصورات الأميركية بشأن أفغانستان.

يهوى المحللون استخدام الأرقام لتعزيز حججهم، لأن الأرقام تبدو راسخة وسريعة، لكنهم دائماً لا يتفقون عليها. ففي الصيف الماضي، على سبيل المثال، أعلنت قيادة حلف "ناتو" في كابول، أنه للمرة الأولى منذ عام 2006، انخفضت هجمات طالبان مقارنة مع السنة السابقة. لكن تقارير وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، تشير إلى تصاعد كبير في وتيرة العنف وتأثيرها على المدنيين. فالأرقام تستقي أهميتها مما ترصده، وفي هذه الحالة، فقد أحصى العسكريون الأميركيون الهجمات التي شنها المسلحون في وجود القوات الدولية، بما في ذلك القنابل بدائية الصنع التي انفجرت، وليست تلك التي تم إبطال مفعولها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن المنظمات الإنسانية كانت تجري تصنيفات لكافة أشكال العنف التي يتعرض لها المدنيون، بغض النظر عن هوية مرتكب الجريمة، بما في ذلك عمليات الخطف وإطلاق النار على أيدي الميليشيات التي أمدها الجيش الأميركي بالأسلحة من أجل محاربة حركة طالبان.

الأفغان أنفسهم متأقلمون على شيء ملموس بشكل أقل، وهو احتمالات الخطر الملموس. فعلى سبيل المثال، كان الهجوم الذي شن في شهر سبتمبر الماضي من قبل بعض المتشددين الذين أطلقوا قذائف صاروخية من برج وسط كابول، قد أدى إلى إغلاق السفارة الأميركية ومقر قيادة حلف "ناتو" القريب منها، لمدة 20 ساعة. ربما يسجل المسؤولون الأجانب مثل هذا الحادث على أنه هجوم منفرد، ولكن بالنسبة لسكان كابول، فإنه يرسل رسالة قوية بأن مدينتهم لم تعد آمنة، وأن الإرهابيين يمكن أن يفعلوا ما يريدونه.

إن التعتيم على النزاع الحالي بشأن تقديرات الاستخبارات، يعد بمثابة انقسام آخر أكثر عمقاً. فقد أشاد التقرير بالجهد الشاق الذي بذلته القوات الأفغانية والأجنبية، لإقصاء عناصر طالبان بعيداً عن الكثير من معاقلها. وهذا النجاح واضح للعيان في قندهار، لكن أهميته أقل وضوحاً. وكانت هناك تكاليف أخرى، ففي الوقت الذي اقتحمت القوات المناطق الريفية التي كانت حركة طالبان تسيطر عليها، قاموا بإنشاء طرق ترابية عبر حدائق الكروم والبساتين الخاصة بالمزارعين. وتم تكديس الحطام في قناة ري كانت يوماً ما تسقي القرية بأكملها، وتم تسوير الطرق بالأسلاك الشائكة، ودمرت المباني التي كانت تستخدمها العائلات لتجفيف محاصيل العنب.

كانت هناك أسباب تكتيكية جيدة لإلحاق مثل هذا الضرر، وتم وضع الألغام حول العديد من المباني من قبل عناصر طالبان المتراجعة، أو أنهم كانوا يعرقلون مسارات القوات القادمة على مرمى البصر. لكن الاقتصاد الأفغاني، الذي يعتبر بالفعل واحداً من أكثر الاقتصادات هشاشة على وجه الأرض، أصيب بضرر بالغ. وتم دفع أموال التعويضات، غير أن التفوق على طالبان جاء بتكلفة باهظة على السكان.