لا يحظى المجلس الوطني الانتقالي الليبي، وهو الهيئة التي يمولها الغرب ويعترف بها، بالثقة ولا بالسيطرة، إذ تدار ليبيا من قبل مئات من الميليشيات التي ترفض التخلي عن أسلحتها، أو الخضوع لسلطة المجلس الوطني الانتقالي. وأصبحت مصراتة مدينة ـ دولة، لديها سجونها الخاصة ونظامها القضائي الخاص. وقد نسقت الميليشيات فيما بينها لتشكيل لجان بديلة للمجلس، ولكن كل منها يسعى وراء مصالحه الخاصة.
والتعذيب مستمر، ووفقا لتقرير صدر مؤخراً عن منظمة العفو، فإن انتهاكات حقوق الإنسان ترتكب على نطاق واسع دون عقاب. ويبدو أن ذلك لا يزعج أياً من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، فبالنسبة لهما تم "إنجاز المهمة في ليبيا".
وليبيا ليست العراق أو سوريا، ويبدو أن هناك اعتقاداً عالمياً، يسود أذهان قادة الميليشيات أيضاً، بأن الانتخابات ستعقد، ويجب أن تعقد في يونيو المقبل. وتملك الميليشيات الأسلحة ولكنها لا تملك المال، إذ ان الأصول المجمدة من عهد القذافي والبالغة قيمتها 150 مليار جنيه إسترليني، تعود إلى المجلس الوطني الانتقالي، على الرغم من أن بعضها يطير مباشرة إلى خارج البلاد، ليوضع في جيوب مسؤولين فاسدين. وحتى لو وضعنا جانباً إرث الطغيان الذي ترك البلاد محرومة من وجود مجتمع مدني أو أحزاب سياسية، فإن هذه الظروف وحدها لا تعد ملائمة لإجراء أي انتخابات.
ومن الحماقة أن نتوقع أن التوترات بين الميليشيات والقبائل، ستتبدد بعد انتخاب الجمعية التأسيسية. وينبغي لنزع السلاح والتسريح، أن يعقبا وجود سلطة مركزية تتمتع بشرعية سياسية حقيقية، لا أن يسبقاه. وفي هذه اللحظة، يفتقر المجلس، الذي لم يعرف أعضاؤه بعد، إلى الثقة الداخلية اللازمة لممارسة مثل هذه السلطة. فالشكوك تحوم حول المجلس، حتى على أرضه ووسط جماهيره في بنغازي.
وكانت الانتخابات التي شهدتها تونس المجاورة، سلمية وناجحة لأن المفاوضات أجريت والتحالفات تشكلت قبل صدور النتائج بفترة يعتد بها. وحافظ الإسلاميون على وعودهم، بعد أن تم دفعهم إلى السلطة بنسب أكبر من تلك التي كانوا يتوقعونها. ولاتزال ليبيا تقف عند نقطة الصفر من هذه العملية، فالإسلاميون فيها منقسمون، وغير قادرين على التغلب على الكراهيات الشخصية، ناهيك عن تقديم العروض للآخرين. لقد تحرر الليبيون من طغيان القذافي، ولكنهم لايزالون بعيدين كل البعد عن بناء صرح بديل ديمقراطي، ولن تقوم أي من بريطانيا أو فرنسا أو الأمم المتحدة بذلك نيابة عنهم.
وافتراض إمكانية إنزال حكومة مركزية أو جيش وطني في شكل مجموعات من مقدمة طائرة "سي فايف غالاكسي"، والبقاء لفترة طويلة بعد عودة الطائرة إلى موطنها، يعد وهماً إمبراطورياً. وأصبح بناء الدولة يمثل كارثة التدخل الليبرالي التي لا توصف. وأظهر كل من كاميرون وساركوزي أنهما يفتقران إلى الاهتمام أو المال أو الإرادة السياسية للقيام بذلك، غير أن الفشل المتكرر لم يخفف من شهيتهما للتخطيط لصراعات جديدة.
وإذا كان هناك أي بلد لديه اهتمام طويل الأمد في أحداث تتجاوز حدوده الطويلة، فهو مصر، وذلك لجميع أنواع الأسباب، سواء الثقافية أو التاريخية أو القبلية. فقبل اندلاع الحرب، وصل عدد العاملين المصريين في ليبيا إلى مليوني عامل. وبطبيعة الحال، فإن مصر لديها ما يكفيها من المشكلات الداخلية، ولكن الوقت قد حان أيضا لكي تتحمل مسؤولياتها الإقليمية. ويمكنها أن تدعو الميليشيات الليبية لحضور مؤتمر في القاهرة، متيحة لها فرصة الشروع في صياغة الاتفاقات.