أطفأ أحدهم الضوء في ميدان التحرير بالقاهرة، ولم يعد هناك وجود للاقتناع اللهث والذي لم يحلم به أحد بأن بلداً أفضل أصبح قاب قوسين أو أدنى.

وتبقى المرتكزات وحدها، المتمثلة في مروجي الشائعات وأصحاب مكبرات الصوت المدوية والملتزمين والغاضبين وأولئك الذين مازالوا يحلمون. لكن يبدو أنهم أقل أهمية في هذه الأيام. أو ربما سمعنا عنهم جميعا من قبل.

يقول أحد الشباب: «لقد وافقنا على خطة»، كما لو كان يجترح معجزة. وهو يرينا صوراً لوجهه الذي تعرض للصفع يوماً على هاتفه المحمول. وقال: «لدينا مبادرة جديدة. نعم، تجادلنا كثيراً فيما بيننا ولكننا الآن نمضي في طريقنا». لكنه لم يقل إلى أين.

ومن الميدان نستمع إلى قصة أحد الطامحين المعروفين إلى الرئاسة، وهو محمد البرادعي الذي يعد بطلاً سابقاً في رأي الكثير من الثوار، والذي لا يريد الاستمرار في لعبة الترشح للرئاسة لأنه لا يحب قواعدها. أو أنه لا تتوفر له هذه القواعد.

القادة العسكريون، حسبما ذكر البرادعي، تولّوا مقاليد الحكم في مصر «كما لو أنه لم تحدث ثورة وكما لوكان النظام لم يسقط». وربما يكون على حق. وفي شهر ديسمبر الماضي، قاموا بشيء يعتبر شائناً ولا يمكن تصوره في أي بلد آخر. فقد أقرضوا البنك المركزي المصري قرضاً بقيمة مليار دولار لمساعدته على تجاوز الأوقات الصعبة.

لنكن واضحين إزاء ذلك، حيث إن المجلس العسكري الأعلى في مصر قدم قرضاً من مال للشعب المصري والذي يخص هذا البلد على أي حال، وهو مال مستثنى من التدقيق العام ولم يتم تسديد أي ضريبة عنه.

بالطبع فقد تم السماح للجيش بإدارة موارده المالية على امتداد عقود من الزمان. ولكن لننظر في هذا الأمر. ففي هذه الأيام التي تشهد الاضطراب السياسي المسألة تتطلب مجموعة واثقة وقوية من الرجال لإعادة أموال البلاد مرة أخرى وتقديمها بسخاء.

وهذه الخطوة لم تحرك قيد أنملة من السخط في البرلمان الجديد الذي أولى أهمية أكبر بكثير لمناقشة متى ينبغي التحدث ومتى ينبغي أداء الشعائر. وعلى ما يبدو، فلم يعبأ أحد في هذا البرلمان طرح أي أسئلة محرجة بشأن المليار دولار، أو أي مليار دولار أخرى في حسابات الجيش. لذلك يمكن أن يشعر الجيش بالاسترخاء في نهاية المطاف، فالأوقات الطيبة لا تزال باقية.

عدم رغبة البرلمان في مواجهة القادة العسكريين هو أمر مفهوم. ففي النهاية، لا يزال لهم شعبية تتجاوز الــ 80% على امتداد مصر، ولا يزالون يصنعون القرارات الرئيسية. لكن هذا يعني أن الساسة الجدد في أولى خطواتهم بالحياة السياسية يخاطرون بكونهم يوصفون بما لم يريدوا، وليس بما سوف يكونون عليه.

فقد أشارت دراسة حديثة حول الأحزاب السياسية في مجلس الشعب المصري الجديد، أجرتها منظمة العفو الدولية، إلى وجود استجابة متضاربة على نحو مثير للكآبة إزاء مسألة حقوق المرأة وإلى وجود حماس محدود للغاية بشأن الحشد من أجل مساواة للنساء.

الأمر الأكثر إثارة للقلق، رغم ذلك، هو عودة ظهور حالة الخوف. فالمصريون حذرون إزاء من الذي يتنصت عليهم وإزاء ما يقولون على الهاتف، وبدؤوا يعيدون النظر مجدداً فيمن يمكن الوثوق به ومن لا يمكن الوثوق به. يقول أحد المعلقين المشهورين: «أجهزة الاستخبارات نشطة للغاية».

لقد كان الخوف نتاجاً ثانوياً بارزاً لأزمة المنظمات الأميركية غير الحكومية، التي تواجه حالياً ملاحقة قضائية في المحاكم المصرية، واتهامات بأنها كانت تعمل بصورة غير قانونية داخل مصر.