تتمثل إحدى ميزات وضع القوة متوسطة الحجم الذي تعتمده بريطانيا، في أنها تستطيع المراقبة من بعيد فيما تجوب الوحوش الكبيرة حول المجمع العالمي، وتحجـّم بعضها بعضاً. وتشكل الزيارة الأخيرة التي قام بها نائب الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، مثالاً واضحاً على ذلك.

 وقد يبدو شي، من حيث الترتيب والجدول الزمني، زائراً ذا أهمية ثانوية، إذ إن منصب نائب الرئيس، في حد ذاته، لا يعد ذا أهمية كبيرة. ولكن ليست هذه هي الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى هذه الزيارة، وكذلك الحال بالنسبة للصين، إذ إن شي ليس مجرد نائب رئيس. فهو أيضا ثاني أهم مسؤول في الحزب الشيوعي الصيني (بعد الأمين العام والرئيس هو جين تاو)، وواحد من ثلاثة نواب لرئيس اللجنة العسكرية المركزية.

وهذا مزيج من شأنه أن يجعله الرجل الأكثر ترجيحاً لخلافة الرئيس هو جين تاو عندما يعتزل رئاسة الحزب الشيوعي، كما هو متوقع، في الخريف المقبل. وذلك هو السبب في أن زيارته للولايات المتحدة، سبقتها موجة من التعليقات في وسائل الإعلام الأميركية التي انحرفت عن التملق، عبر الفضول، إلى التخوف، والسبب كذلك في أن صحيفة الحزب الشيوعي الرسمية "بيبولز ديلي"، ارتأت أن المسألة تستحق تعليقاً موسعاً.

وهو أيضاً السبب في أن شي استقبل من قبل الرئيس الأميركي باراك أوباما في المكتب البيضاوي، ودعي إلى العشاء من قبل مجموعة من الدبلوماسيين اللامعين، بمن فيهم هنري كيسنجر، واستقبل كذلك في وزارة الدفاع الأميركية.

وسواء على المدى القصير أو البعيد، فإن هذه اللقاءات تعد بالغة الخطورة. فعلى المدى القصير، قد يكون شي خليفة الرئيس هو جين تاو المختار، ولكن غلطة واحدة، لا سيما في الخارج، من شأنها أن تثير الشكوك حول مدى ملاءمته للمنصب.

وتشكل زيارة أميركا آخر طقوس العبور بالنسبة لزعيم صيني طموح في القرن الحادي والعشرين. ويخوض أوباما، من جانبه، حملة انتخابية قد يهددها صعود الصين إلى وضع قوة عظمى منافسة، وستصبح الصلابة في الدفاع عن المصلحة الوطنية أمراً مطلوباً. وأي تلميح بالتساهل، سيؤخذ من قبل المرشح الجمهوري (بصرف النظر عمن سيكون)، ليتم استخدامه ضد أوباما.

ولكن، في الوقت ذاته، يرى كلا البلدين أن زيارة شي من المحتمل أن تحدد طبيعة العلاقة على المدى الأبعد. ففي حال اجتاز شي اختباره الأميركي بنجاح، وضمن أوباما إعادة انتخابه، فإن الانطباع الذي تخلفه هذه الزيارة في نفس كل منهما، سيلون علاقتهما الشخصية.

فضلاً عن العلاقة بين البلدين على امتداد أربع سنوات، وهي سنوات حاسمة يجب أن تصبح فيها سرعة واتجاه التنمية الصينية أكثر وضوحا، وكذلك الأمر بالنسبة لاستدامة القوة الأميركية. ومن بعيد، تبدو الصين وأميركا كقوتين عظميين تقيس كل منهما الأخرى بحذر، حيث تتحرك الصين بطريقة طائشة وغير متوقعة، منددة بالقواعد العالمية الحالية.

فيما تتحرك أميركا بحذر وروية لإعادة نشر قواتها تحسبا لقيام نظام عالمي جديد. وكانت التغييرات في هياكل وزارة الدفاع الأميركية التي أعلن عنها أوباما في نوفمبر الماضي، موجهة نحو غاية واحدة فقط، وهي تعزيز موقف الولايات المتحدة في حال أصبحت الصين قوة أكثر حزما، وعدوانية، في المحيط الهادئ. وتمثلت أولوية الضيف الصيني ومضيفيه الأميركيين خلال تلك الزيارة، في مناقشة بعض التوترات القائمة.

ومنها تقييم العملة الصينية بأقل من قيمتها، والاختلالات التجارية، وحقوق الإنسان، وموقف أميركا الدفاعي الجديد، إلى جانب إرساء أسس إيجابية للمستقبل. إلا أن هذا المسعى محفوف بالمخاطر، ويتطلب تحفظاً متبادلاً، وحذراً مستمراً من جانب الولايات المتحدة، ومن الممكن جداً أن يبوء بالفشل.