خلال العامين الماضيين، ساد نوع مأساوي من الاحتجاجات في بقعتين مختلفتين من العالم، إذ أضرم عشرات العرب والتبتيين النار في أنفسهم علانية. وهذا النوع من العروض المروعة للتضحية بالنفس، يهدف عادة لإظهار مدى عمق اقتناع شخص ما بالنسبة لقضية معينة، ولدفع الآخرين إلى التحرك عن طريق الصدمة. ومع ذلك، فإن تضحية واحدة أخيرة فقط هي التي أتت بنتيجة.

ففي 17 ديسمبر 2010، أشعل بائع الفاكهة التونسي محمد البوعزيزي، النار في نفسه وسط الشارع، نظراً لما شعر به من إحباط اقتصادي، وبعد أن تم إذلاله من قبل الشرطة. وقد كان لتصرفه، الذي جمع بين الشجاعة واليأس، صدى معنوي بين غيره من التونسيين المحبطين، الذين هبوا لإسقاط الدكتاتور في وقت قصير..

وانتشرت أحداث الربيع العربي. حصل التونسيون على حريتهم، غير أنهم ما زالوا بحاجة إلى تحقيق الأمن الاقتصادي، فلا تزال فرص العمل نادرة في الدولة الديمقراطية الجديدة. ونتيجة لذلك، عمد عشرات آخرون إلى إضرام النار في أنفسهم احتجاجاً على ذلك. وفي كثير من البلدان العربية الأخرى التي لم تتحرر بعد، دفعت الأزمة السياسية أو استخدام العنف ضد المتظاهرين، عشرة أشخاص أو أكثر إلى محاولة استخدام التكتيك الناري (إلا أنهم لم يموتوا جميعاً).

ولكن، بعد فترة من الوقت، يجازف تقليد هذه الظاهرة بتجريدها من تأثيرها على الرأي العام، وتصبح التقارير الإخبارية التي تغطي مثل هذه الأحداث أقصر. ويثير التصرف ذاته تساؤلات مقلقة حول الاستخدام السياسي للانتحار، بوصفه شكلاً فريداً من أشكال الاحتجاج.

وخلافاً للانتحاريين الذين يقتلون الآخرين، فإن المضحين بأنفسهم يشغلون في ما يبدو مكانة خاصة، إذ إن تصرفاتهم تظهر اليأس أكثر من إظهارها للأمل. وفي التبت، كان اليأس هو الدافع بوضوح، حيث حفز مجموعة من عمليات التضحية بالنفس، رغم تقديس البوذية للحياة.

ومنذ اندلاع التظاهرات ضد الحكم الصيني قبل أربع سنوات، يعاني التبتيون من ظروف أشد قسوة، حيث تستهدف بكين الكهنة والكاهنات البوذيين، مجبرة العديد منهم على التخلي عن مرشديهم وتعاليمهم الروحية، كوسيلة لإنهاء هوية التبت الثقافية والدينية. والعديد من المضحين الأخيرين بأنفسهم، كانوا على صلة بدير كيرتي الكائن في جزء تبتي من مقاطعة سيتشوان الصينية.

وصمت الدالاي لاما، في بادئ الأمر، عن التصرفات المرعبة التي لجأ إليها أولئك المتظاهرون، ومن ثم عمد إلى تثبيطهم. وأثار المتظاهرون إدانة قوية من جانب بكين، لأن عمليات الانتحار تظهر إلى أي مدى قد يكون التبتيون قادرين على تحمل المعاناة التي فرضت عليهم. ومن تكتيكات الاحتجاج المماثلة والأكثر شيوعاً، الإضراب عن الطعام.

وقد اكتسب هذا التكتيك شهرة واسعة في ثلاثينات القرن الماضي، على يد المهاتما غاندي في احتجاجه على الحكم البريطاني في الهند، ومرة أخرى في عام 1981 على يد سجناء الجيش الجمهوري الايرلندي، الذين ماتوا جوعاً، احتجاجاً على الأوضاع في أحد السجون البريطانية. واستخدم هذا التكتيك مجدداً في العام الماضي، على يد الناشط الهندي آنا آزاري .

لا يزال السؤال الأخلاقي المتعلق باستخدام الانتحار، إما بالحرق وإما بالتجويع، من أجل قضية أخلاقية، يمثل سؤالاً تصعب الإجابة عنه. والرد الأسهل هو أن نقول ببساطة إن مثل هذه التكتيكات لا تجدي نفعاً عموماً، إلى أن يحدث أحدها تأثيره المنشود.

والدرس الأهم، هو أنه لا يجب إرغام شعب على العيش في ظل ظروف يائسة، تشعر أبناءه بأنهم مضطرون للجوء إلى وسائل يائسة مثل الانتحار. والموجة الحالية من عمليات التضحية بالنفس، تظهر مدى الحاجة إلى منع القمع الشديد في المقام الأول.