شن المقاتلون الأفغان، مؤخراً، غارة أخرى على قاعدة قندهار الجوية. وأدلى الجنرال الأميركي جون آلن، قائد قوة المساعدة الأمنية الدولية، بتصريح غريب بعض الشيء، إذ قال: "إن الملا عمر فقد السيطرة كلياً على متمردي طالبان.
وإلا لكان قد نبذ هذه الهجمات من فوره، وأمر قواته بالكف عن مهاجمة المدنيين الأفغان الأبرياء". هل كان يقصد الملا عمر نفسه الذي أدرج اسمه في قائمة المطلوبين منذ أحداث 11 سبتمبر؟ كان ذلك سيكون لافتاً للنظر، لو أن المرء لا يعرف أن جناح عمر من حركة طالبان هو الذي يتفاوض مع الولايات المتحدة منذ سنوات عدة.
ولم تسفر تلك المفاوضات عن اتفاق حتى الآن. ومن المحتمل أن يكون هجوم قندهار قد نفذ من قبل جناح آخر، يعادي مجرد فكرة إجراء محادثات مع القوة المحتلة، ولكنه قد يكون أيضاً تحذيراً آخر من جانب إمبراطورية متعبة، لمجرد تسريع الأمور. ونظراً لأن جميع التطورات الأفغانية الملفقة من قبل وسائل الإعلام كانت وهمية، فقد كان لابد من التفاوض مع المتمردين، وعزل نظام الرئيس الأفغاني حامد قرضاي بصورة أكبر.
بعد أشهر من توليه منصبه، عمد الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى تصعيد متغطرس للحرب، الأمر الذي حظي بدعم دول الاتحاد الأوروبي التابعة، ولقي معارضة من جانب بعض الجنرالات الأميركيين، بمن فيهم كارل إيكنبري، السفير الأميركي لدى كابول. وبرر أوباما قراره قائلاً: "إذا سقطت الحكومة الأفغانية على يد طالبان، أو سمحت لتنظيم القاعدة بأن يفعل ما يحلو له، فإن البلاد ستغدو مرة أخرى قاعدة للإرهابيين الذين يريدون قتل أكبر عدد ممكن من أبناء شعبنا.
وبالنسبة للأفغان، فإن العودة الى حكم طالبان ستحكم على بلدهم بالحكم الوحشي، والعزلة الدولية، والاقتصاد المشلول، وحرمان الشعب الأفغاني، لاسيما النساء والفتيات، من حقوق الإنسان الأساسية". ولكن العديد من تلك المساوئ موجود بالفعل، بما في ذلك الحالة المزرية للنساء الأفغانيات. والأهم من ذلك أن الهجمات المتهورة على القرى والأعداء "المستهدفين"، رفعت معدل الضحايا المدنيين، مما أسفر عن تمكن المتمردين من تجنيد المتطوعين بسهولة.
أضف إلى ذلك حقيقة أن القوى الإقليمية التي أيدت، على مضض في حالة وكالة الاستخبارات الباكستانية، إسقاط نظام الملا عمر، لم تعد إلى جانب الولايات المتحدة. لذا، فقد أصبح الحفاظ على وجود حلف شمال الأطلسي في البلاد أكثر صعوبة، ولم تعد الدول الـ42 المشاركة في الاحتلال قادرة على مساعدة الدمية المحرجة في كابول، على تقديم عرض راقص جيد. ولم يعد يجدي نفعاً إجراء انتخابات كحل سريع، بتنظيم عالي التكلفة من قبل شركات العلاقات العامة الغربية.
ومن حيث الجوهر، يواجه كلا الجانبين طريقاً مسدوداً. فالمتمردون لا يمكنهم الانتصار عسكريا، إلا أنهم جعلوا نصر "الناتو" أمراً مستحيلاً. والولايات المتحدة لا تستطيع الانتصار في هذه "الحرب العادلة"، إلا من خلال تدمير البلاد ومحو مليون أو مليونين من الأفغان، وهذا غير عملي من الناحية السياسية. والمفاوضات هي السبيل الوحيد للتوصل إلى تسوية، وانسحاب القوات الأميركية من البلاد.
وفي كتابه "المأساة في سياسات القوة العظمى"، أشار جون ميرشايمر بحدة إلى أن سياسة بلاده الخارجية لم تكن مكرسة للحكم الرشيد أو القيم الليبرالية، ناهيك عن السلام، وإنما للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة مقابل مصالح غيرها من الدول.
ويجري حاليا تكرار نسخة من هذه الرسالة، من التحرري المنشق رون بول، على شاشات التلفزيون الأميركية في إطار تغطيتها للانتخابات التمهيدية الجمهورية. ويمثل بول الشخصية الوحيدة على مستوى السياسة الوطنية، التي تطالب بتفكيك الإمبراطورية الأميركية، ومن المثير للاهتمام أنه يحظى بدعم عائلات العسكريين أكثر من جميع منافسيه.