أدى وصف نائب رئيس الوزراء البريطاني نك كليغ، مؤخراً، للمستوطنات الإسرائيلية بأنها "تخريب متعمد" للمنطلق الأساسي لمفاوضات السلام، إلى إثارة رد حاد من جانب إسرائيل. ومع ذلك، فإن هذا الوصف لم يكن سوى طريقة استثنائية للإفصاح عن حقيقة يعرف كل وزير واع في جميع أنحاء أوروبا أنها صحيحة، ولكنهم نادرا ما يقدمون على التفوه بها. وهناك مبرر كاف لتصريحات كليغ، في اثنين من تقارير الاتحاد الأوروبي الداخلية الأخيرة التي غطتها الصحافة الأوروبية.
ويحذر آخر تقرير من أن الإجراءات الإسرائيلية تجعل من فكرة اعتماد القدس عاصمة مشتركة، التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي على نحو صحيح شرطا لا غنى عنه من شروط حل الدولتين، "أمراً غير وارد وغير قابل للتطبيق على نحو متزايد". ولا يعد النمو المستمر للمستوطنات، التي تضم بالفعل 500 ألف إسرائيلي في الأراضي المحتلة، 200 ألف منهم في القدس الشرقية، الإجراء الوحيد من هذا النوع، ولكنه يشكل العقبة الأكبر أمام نجاح المفاوضات.
ومع ذلك، فإن تحذيرات الاتحاد الأوروبي الفصيحة، من أن نافذة حل الدولتين تغلق شيئاً فشيئاً، تثير تساؤلا مقلقاً. ما الذي سيفعله السياسيون الأوروبيون حيالها؟ لقد اعتادت إسرائيل على تصريحات الانزعاج المتكررة من جانب واشنطن أو بروكسل أو لندن، في ما يتعلق بنمو المستوطنات المستمر بلا هوادة، سواء في القدس أو في الضفة الغربية، مدركة أن مجرد الكلام لا يغير شيئاً.
ولكي لا نبخس التقارير حقها، فإن عدداً منها تضمن توصيات ملموسة، بما في ذلك تشريع لوقف المعاملات المالية التي تدعم الاستيطان في القدس. قد تكون لذلك عواقب بعيدة المدى، ولكن هل سيحدث ذلك فعلاً؟
وباعتبار الاتحاد الأوروبي أكبر متبرع للفلسطينيين، إذ قدم ما يزيد على 3,26 مليارات جنيه استرليني في الفترة ما بين عامي 1994 و2009 وحدها، فإن الاتحاد الأوروبي له مصلحة مالية ومعنوية كذلك في إنهاء الاحتلال، الذي تعمل المستوطنات على إدامته، غير أنه في حاجة ماسة لدعم خطبه بخطوات عملية. فلم يتبع أي من أعضاء الاتحاد الأوروبي المبادرة البريطانية لضمان وضع الملصقات المناسبة على السلع القادمة من مستوطنات الضفة الغربية، ومع ذلك فإن وضع الملصقات، وربما النظر في فرض حظر فعلي على هذه الواردات، جاء متأخراً بالتأكيد.
وقبل كل شيء، هناك حاجة إلى سياسة على نطاق أوروبا تجاه الاحتلال، تعتمد على أكثر من مجرد الموعظة الجوفاء، من أجل إقناع إسرائيل بتغيير مسارها، وذلك لمصلحتها ومصلحة الفلسطينيين. وهذا ما يتطلبه منطق تلك التقارير، وتصريحات كليغ، ولا أقل من ذلك.
وحين خاطب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك يوم 23 سبتمبر الماضي، لم يلاحظ سوى حفنة من الناس الإشارة اللافتة التي تضمنها خطابه.
ففي إطار رفضه لطلب الشعب "المختلق"، على حد تعبير نيوت غينغريتش، لإقامة دولة فلسطينية، وصف في عبارة مزعجة للغاية "الإسلام المسلح" بـ"التمساح النهم". ولكن تصريحه الأكثر إثارة للقلق كان التالي: "في عام 1984، عندما تم تعييني سفيرا لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، قمت بزيارة الحاخام الكبير لوبوفيتش، فقال لي: "إنك ستخدم في بيت يحفل بالأكاذيب.
تذكر أنه حتى في أشد الأماكن ظلمة، يمكن لضوء شمعة واحدة أن يرى من بعيد وعلى نطاق واسع". إن مما يلفت النظر أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، لم يتوقفا عند الدلالات الخطيرة لما قاله نتنياهو.