على الرغم من أن عطلة الشتاء تساهم عادة في صرف الأنظار عن السياسة، فإنه لا يمكن إنكار أن المجتمع الروسي حقق مؤخراً تحولا هائلا، وأن الشعارات السياسية التي تم ترديدها في شوارع موسكو، لم تنس في خضم الاحتفالات بالعام الجديد.

وقد أظهرت الاحتجاجات الحاشدة في يومي 10 و24 ديسمبر من عام 2011، التي غذاها السخط العام إلى جانب مزاعم التلاعب في انتخابات مجلس الدوما التي عقدت يوم 4 ديسمبر، أن الطبقة المتوسطة الروسية على وجه الخصوص، تشكل الآن قوة سياسية لا يستهان بها. وبعيدا عن كونها انتصارا بسيطاً لشخصيات المعارضة، فإن أحداث ديسمبر 2011 تمثل، أولا وقبل كل شيء، انتصاراً لشعب بعيد عن السياسة نسبيا.

ولم يكن المواطنون العاديون في روسيا على هذا القدر من النشاط السياسي منذ عام 1991، وقد استجاب الكرملن بطرق مختلفة، كان أبرزها رحيل فلاديسلاف سوركوف، النائب السابق لرئيس الديوان الرئاسي. وكان سوركوف المفكر، وهو أحد أروع الشخصيات السياسية التي ظهرت في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي حتى الآن، يعتبر على نطاق واسع رئيساً للمنظرين الأيديولوجيين في الكرملن، واعتبر انتقاله المفاجئ إلى منصب غير سياسي انتصارا للمعارضة.

ومع ذلك، فإن الكرملن لا يعتزم إعادة إجراء انتخابات 4 ديسمبر، وهو ما طالب به المتظاهرون، الأمر الذي يطرح السؤال التالي: ما الخطوة التالية؟ فها هو سيرغي أودالتسوف، الزعيم الصوري للمعارضة، قد غادر السجن لتوه، معلناً للصحافيين أن المعارضة "ستظل نشيطة في هذه المعركة"، ولكن إلى أين سيؤدي هذا القتال؟.

يصعب التكهن بالكيفية التي ستصمد بها حركة الاحتجاج حتى الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في 4 مارس المقبل، عندما يرتدي رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين على الأرجح عباءة الرئيس من جديد. وعلى الرغم من هبوط شعبيته في استطلاعات الرأي، فإنه لايزال السياسي الأكثر شعبية في روسيا. ومع ذلك، فإنه من السهل جدا تحديد المسار الذي لن تسلكه المعارضة. وهو مسار الثورة، الذي تجسد في الربيع العربي.

ومع أن إيجاد أوجه تشابه بين ما حدث في ليبيا ومصر وما حدث في موسكو، وكان أمراً مغرياً في ديسمبر الماضي، فإن الغالبية العظمى من الناس الذين خرجوا في مسيرات سلمية في موسكو وغيرها من المدن الروسية، يرون أن القيام بأي نوع من الانتفاضة العنيفة هو أمر غير مرغوب فيه ومستحيل. وعلى الرغم من أن أيا منهم لم يشهد الأحداث الدامية التي وقعت عام 1917، فإن معظمهم ينفر من كلمة "الثورة".

ولكن لا شيء من ذلك يضمن أن يكون عام 2012 مملاً وآمناً، بطبيعة الحال. ومن المرجح أن تخفيضات كبرى في الميزانية ستعقب انتخابات 4 مارس، الأمر الذي قد يغير بشكل جذري لهجة حركة الاحتجاج. وقد أشار المراقب مارك جاليوتي مؤخراً، إلى أنه في حين أن استخدام الحكومة للقوة الغاشمة ضد المتظاهرين السلميين يعد احتمالاً غير وارد، فإن وقوع حادث من نوع ما، من الممكن أن يسفر عن مأساة قد تشعل ثورة.

ومع ذلك، فإن هناك، في الوقت الراهن، مجالاً كبيراً للأمل في أن ما تتطلع إليه روسيا هو التغيير، وليس الثورة. وقد ساهمت عطلة العام الجديد، وهي مناسبة عائلية المنحى عادة، في إعطاء الناس فرصة لكي يمضوا بعض الوقت مع ذويهم، ويملوا منهم بما فيه الكفاية، ويستعدوا لاتخاذ المزيد من الإجراءات السياسية. ومن المقرر مبدئيا أن يتم تنظيم الاحتشاد التالي في موسكو يوم 4 فبراير المقبل.