أثارت نهاية حرب العراق بضعة تأملات، في ما يتعلق بنطاق الدمار الذي أحدثه الأميركيون هناك. وكما هي عادة الأميركيين، فقد تركز النقاش على التكاليف بالنسبة لأميركا في الأرواح والأموال، والمقدمات الزائفة للحرب، والتحديات المتواصلة المتعلقة بعدم الاستقرار في المنطقة.. أما ما حدث للعراقيين فقد تم تجاهله إلى حد كبير.
وفي ليبيا كان التحقيق الذي أجري مؤخراً حول الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال حملة القصف التي نفذها «ناتو»، هو أول تحقيق من نوعه حول الحرب التي يعتقد الكثيرون أنها كانت بلا ضحايا إلى حد كبير.
إننا نادراً ما نضع موضع المساءلة، الحقيقة القائلة إن الحرب تحدث أضراراً جسيمة، ولكن رؤيتنا لحروب أميركا غاب عنها جانب محدد من جوانب الدمار، هو الثمن في الأرواح الذي دفعه أولئك الذين يعيشون في مناطق الحروب.
بعد 10 سنوات من انطلاق الحرب في أفغانستان، ليس لدينا إلا أضعف المفاهيم عن عدد الذين لقوا حتفهم نتيجة هذا الصراع، وقد قام مكتب الأمم المتحدة في كابول بتجميع بعض الأرقام من المشارح ومصادر أخرى، ولكنها غير كاملة، والأمر نفسه ينطبق على العراق، على الرغم من أن عدداً من الجهود المستقلة قد بذل هناك لإحصاء الموتى. إن النتائج المترتبة على الكيفية التي تخوض بها أميركا حروبها، تكشف الكثير عن كيف ولماذا يقاتل الآخرون أميركا؟
في العراق مثلاً، غالباً ما عزيت المقاومة التي أبداها السنة للأميركيين، إلى فقدهم للمكانة الاجتماعية، غير أنه نادراً ما نوقش دور العنف الأميركي إزاء المدنيين في مرحلة مبكرة من هذا الصراع. ومع ذلك فقد قال الكثير من الأسرى العراقيين، إنهم كانوا يدافعون عن مجتماعاتهم بمقاومة قوات الاحتلال. وقد قامت قوات الائتلاف الدولي، وعلى رأسها القوات الأميركية، بقتل المشتبه في أنهم أعداء، وباحتجازهم في غمار قيام هذه القوات بعمليات لا حصر لها، الأمر الذي دفع بعض العراقيين للجوء إلى السلاح والقنابل الناسفة على الطرقات، وإلى العمليات الانتحارية، وكلما زاد عنف قوات الاحتلال ازداد رد فعل العراقيين.
وقد أدرك الجنرال ديفيد بترايوس هذا، وسعى إلى إصلاح ممارسات الجيش الأميركي، وأوضح في كتيب ميداني بقلمه أصدره عام 2006، أنه «عندما تفشل القوات في توفير الأمن، أو تهدد أمن المدنيين، فإن السكان يحتمل أن يسعوا إلى ضمانات لأمنهم من المسلحين أو الميليشيا أو جماعات مسلحة أخرى، وهذا الوضع من شأنه أن يقدم الدعم للمسلحين».
وفي العديد من استطلاعات الرأي، أشار العراقيون الذين جرى استطلاع آرائهم إلى القوات الأميركية باعتبارها السبب الرئيسي في العنف الذي يهيمن على بلادهم.
في عام 2006، وجدت دراستان منفصلتان، قامت بهما وزارة الصحة العراقية وجامعة جونز هوبكنز، أن 400 ألف إلى 650 ألف قتيل في العراق قد سقطوا نتيجة للحرب، وفي المقابل كان القائد الأميركي في العراق يقدر هذا الرقم بـ50 ألف قتيل، بل وزعم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، أن عدد القتلى في آخر 2005 كان 30 ألف قتيل فقط.
إن تجاهل نطاق الضحايا المدنيين والأضرار التي تحدثها حروب أميركا، هو إخفاق معنوي ذريع وخطأ استراتيجي بالغ، وأميركا بحاجة إلى اعتماد أساليب دقيقة لقياس الدمار الناجم عن حروبها.. وإذا لم تقم بذلك فإن الإخفاقات المستقبلية ستتفاقم.