يمكن أن يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما معذوراً في قيامه بإبراز الإيجابية في الخطاب الذي ألقاه، أخيراً، أمام الجمهور في القاعدة العسكرية في فورت براغ في نورث كارولاينا، بمناسبة انسحاب القوات الأميركية من العراق. وفي إشارة إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، قال أوباما: «علينا أن نتذكر الأيام الأولى، تلك التي انتشرت خلالها الوحدات الأميركية عبر الرّمال والأجواء العراقية. وفي المعارك التي جرت من الناصرية إلى كربلاء؛ إلى بغداد، استطاعت القوات الأميركية أن تقصم ظهر دكتاتور وحشي في غضون أقل من شهر».
هذا أمر طيب حتى هذا الحدّ. ولكن بعد مرور ما يقرب من تسع سنوات بعد إعطاء الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أوامره بغزو العراق، يظهر تعليق سابق وأقل حماسة من جانب الرئيس أوباما، يضيف المزيد إلى هذه النقطة. ففي تعليق منه منتقداً الحرب على العراق قبل خمسة أشهر من انطلاقها، حيث كان أوباما وقتها عضواً لمجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي، وصاحب طموحات كبرى، قال: «إنني لا أعارض جميع الحروب. وما أعارضه هو الانخراط في حرب حمقاء. وما أعارضه هو حرب متهورة». لا يقلل من الجهد الكبير للقوات الأميركية أن نلاحظ أن الحرب على العراق كانت أقصى درجات الاختيار، وأن الاختيار كان خاطئاً. وإدارة بوش هي المسؤول الأول عن إلزام القوات الأميركية، التي برّرت الحرب بالعزف على وتر وجود أسلحة دمار شامل في العراق، والتلميح إلى وجود علاقة لصدام حسين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن الكونغرس كان شريكاً في المسؤولية. فقد أيّد العديد من الديمقراطيين، ومن بينهم هيلاري كلنتون، التشريع الذي سمح لبوش بمهاجمة العراق من طرف واحد.
كانت النتيجة التزاماً دامياً وطويلاً، لا يبرر نجاحه المتمثل في زيادة عدد القوات الأميركية في عام 2007، وإقامة ديمقراطية شديدة الهشاشة هي الموجودة اليوم، قرار الذهاب إلى الحرب. كما لا يُبرّره خلع صدام حسين. فقد كان دكتاتوراً متعطشاً للدماء، لكنه لم يكن يشكل خطراً على الولايات المتحدة وقت الغزو. والانطباع الراسخ هو أن بعض المحافظين الجدد في إدارة بوش كانوا يعلمون ذلك، ولكنهم أرادوا الإطاحة بالرجل القوي منذ زمن طويل، كعربون على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. فإذا كان الأمر كذلك، فإنه لم يكن يستحق الثمن الذي دُفع من أجله. في الواقع، عندما حلّ الربيع العربي قبل عام مضى، لم يكن مستوحى من تجربة العراق على مدى السنوات التسع الماضية، أو من أي حملة غربية أخرى لدعم الديمقراطية من خلال تغيير الأنظمة، بل انبثق من الاحتجاجات الداخلية في تونس ومصر، التي جاشت من القاع.
فما هو ثمن الحرب على العراق؟ الخسائر في الأرواح في صفوف القوات الأميركية بلغت نحو 4500 شخص، أما الخسائر العراقية فهي متباينة بشكل شاسع، حيث يشير التقدير الشائع إلى أنها 100 ألف شخص. وجرح نحو 32 ألف أميركي في عمليات المقاومة. وتعكس هذه الأرقام معاناة إنسانية بحجم لا يبرره قرار الذهاب إلى الحرب، وتلك حقيقة لا يمكن تحاشيها.
هذا هو الدم الذي تمت إراقته. أما في جانب الأموال، فإن الحرب كلّفت تريليون دولار، بينما كانت أمام الولايات المتحدة أوجه مهمة أخرى للإنفاق. وعند إضافة التكاليف المستقبلية، مثل خدمة الدّين الجاري، وتكاليف الرعاية الصحية للمحاربين، الذين أصيبوا في هذه الحرب، فسوف يزيد ذلك الرقم عن الضعف، حتى ولو تمت التقديرات بكل تحفظ.