بعد مرور ما يقرب من الشهر من الانتخابات البرلمانية، استقرت روسيا على إيقاع من نوع مختلف. ومنذ فترة وجيزة، جلس أعضاء الأحزاب العتيقة في مجلس الدوما، وهم أنصار الكرملين ومعارضوه المصرح بهم رسمياً، في المقاعد المخصصة لهم في القاعة، التي جمعت بين خصائص النادي ووكالة العقارات والمصح. وفي الوقت نفسه، خرج أفراد المعارضة غير المصرح بها من زنزاناتهم وهم في حيرة من أمرهم.
ماذا بعد ذلك؟ فهل خرجوا، كما زعموا، ليجدوا بلداً مختلفاً؟ ويتمثل الاختبار الكبير التالي الذي يواجهونه في اجتماع حاشد عشية عيد الميلاد، وهو ما وقع على المشاركة فيه أكثر من 31 ألف شخص على موقع «فيسبوك». ويتمثل قادتهم في محام ومدون يبلغ من العمر 35 عاماً، ونجم روك، وناشط سياسي. ومن بين هؤلاء الثلاثة، يعد المحامي ألكسي نافالني القدوة الملائمة الوحيدة.
إذ كان وصفه لروسيا المتحدة بحزب النصابين واللصوص هو ما لمس وتراً حساساً لدى الملايين من الروس. وكان تكتيكه المتمثل في دعوة الروس إلى التعبير عن احتجاجهم من خلال التصويت لأي شخص عدا الحزب الحاكم هو ما أربك الكرملين. والمهمة التي تقبع أمام أشخاص مثله هي مهمة هائلة، تنطوي على الحفاظ على رقعة الاحتجاج الواسعة وطبيعته السلمية وإنجاحه.
وأصبح رد فعل بوتين على صدمة انحدار شعبيته واضحاً الآن. وهو يتألف من أربعة خطوط للدفاع. الأول هو السماح للاحتجاجات الواسعة بالمضي قدماً، لأن روسيا في نهاية المطاف، كما يدعي بوتين، تظل دولة ديمقراطية يتمكن فيها الناس من التعبير عن آرائهم بحرية.
والثاني هو إبداء تلميحات أو تنازلات صغيرة من شأنها أن تغير حياة أصحاب الامتيازات من رجال «الأباراتشيك» الأقل منه سلطة، دون أن تمس سلطته. ولمح إلى أنه قد يسمح لأحزاب المعارضة بأن يتم تسجيلها، وإلى إعادة إجراء انتخابات مباشرة للحكام. والخط الثالث هو أن يسمح لأوليغاركي مثل ميخائيل بروخوروف بأن ينافسه في السباق الرئاسي، وأن يلمح إلى إعادة تكنوقراطي مثل ألكسي كودرين إلى السلطة.
ويتمثل خط الدفاع الأخير في تقسيم المعارضة باستخدام وسائل أكثر تقليدية، فقد نشرت، أخيراً، إحدى الصحف الشعبية الموالية لبوتين محادثات هاتفية دارت بين زعيم المعارضة بوريس نيمتسوف والنشطاء الآخرين.
وفي إحدى المحادثات اغتاب نيمتسوف رفاقه. وقد أقر نيمتسوف بأن بعض الكلمات التي استخدمها لم تكن مناسبة، واعتذر عنها. غير أن القصة تحولت من مضمون المكالمات إلى حقيقة أنه قد تم اختراقها. وما حدث لنيمتسوف لا يختلف عما حدث لناشطين آخرين تم اختراق المدونات ورسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم وحجب مواقعهم.
تلك كلها أمور لا يقوم بها إلا حاكم أوتوقراطي. ولكنه يواجه مشكلة الآن. فهو لا يستطيع شراء شعبيته لأنه لن يملك المال الكافي للقيام بذلك. إذ تحتاج الميزانية إلى أن يصل متوسط سعر النفط الخام إلى 115 دولارا للبرميل الواحد لكي تتوازن، إلا أن كلاً من سعر النفط وسوق المعادن سيواجهان انخفاضاً نتيجة للركود العالمي.
ويحتاج بوتين إلى أكثر من مجرد المال. إنه يحتاج إلى إعادة الترويج لنفسه. فحين يبذل المرء جهداً كبيراً في سبيل تقديم نفسه على أنه الشخص الوحيد الذي يمسك بزمام الأمور، يصبح من الصعب تحويل القيادة إلى قيادة جماعية. ولكنه يحتاج إلى أن يقوم الآخرون بإنجاز مهمة تحديث البلاد. ويحتاج أيضاً إلى الخروج بفكرة كبيرة جديدة لفترة رئاسية ثالثة، ويتعين عليه القيام بذلك بسرعة كبيرة.