بعد مرور ما يزيد على ثماني سنوات وسبعة شهور على تموضع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أمام الكاميرات التي صورته على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» مع شعار يقول «تم إنجاز المهمة» في الخلفية، وضعت الحرب الأميركية في العراق أخيراً، وبشكل رسمي، أوزارها. وقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما عن ذلك باعتباره «لحظة نجاح»، وهي كذلك على الأرجح، بالنسبة له وللولايات المتحدة.
فقد أطاحت برئيس سابق غير مطيع وبنظامه، وأحلت محلهما نظاماً من تصميمها الخاص، وتلقى هو دفعة قوية لآماله في أن تتم إعادة انتخابه من خلال وفائه بوعد أساسي من وعود حملته في لحظة مواتية من الناحية السياسية. وقد كان هناك بالفعل انتعاش فوري في شعبيته.
وعلى الرغم من إقراره بأن «العراق ليس مكاناً مثالياً»، فقد خاطب الرئيس أوباما القوات الأميركية العائدة من العراق في قاعدة فورت براغ بولاية نورث كارولاينا قائلاً: «إننا نترك وراءنا عراقاً ينعم بالسيادة والاستقرار والاعتماد على الذات».
وهو شعور ردده لويد أوستن، قائد القوات الأميركية في العراق، الذي قال إن الشعب العراقي يحظى الآن بفرصة لم يسبق لها مثيل للعيش في بيئة سلمية نسبياً.
وهكذا فإن الهجوم العسكري الأميركي الأكثر دموية، والأكثر تكلفة، منذ حرب فيتنام، يتم تصويره بعناية باعتباره انتصاراً. صحيح أن الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان دكتاتوراً وأن الاستقرار الذي كان سائداً في ظل بطشه وجبروته كان يفوح برائحة الدم، ولكن كونوا على يقين من أن العراق كان دولة تنعم بالسيادة والاعتماد على الذات والاستقلال. ومن جهة أخرى، فإن البيئة السلمية التي تحدث عنها الجنرال أوستن تبقى صعبة المنال وبعيدة، كما كانت منذ بداية الغزو الأميركي للعراق في 20 مارس من عام 2003.
وذكرت مصادر عسكرية أميركية أن متوسط الهجمات التي شهدها العراق خلال العام الجاري تراوح بين 500 و750 هجمة في الشهر الواحد، بما في ذلك التفجيرات والهجمات الصاروخية والاغتيالات. وليست هذه بيئة سلمية. وبالنسبة للكثير من العراقيين، فإن الغزو الأميركي للعراق قد يكون أسفر عن أي شيء إلا السلام.
وتحدثت مريم كاظم، وهي مقيمة في مدينة الصدر، إلى وكالة أنباء «أسوشييتد برس»، قائلة: «إن الأميركيين لم يتركوا وراءهم أية مدارس حديثة أو مصانع كبرى. بل تركوا ألوف الأرامل والأيتام. ولم يتركوا وراءهم شعباً وبلداً حرين. ولكنهم، في الحقيقة، تركوا بلداً مدمراً وشعباً منقسماً». وقد قال أوباما: «سيكون ديسمبر الجاري وقتاً للتفكير في كل ما مررنا به خلال هذه الحرب». وبالفعل، هناك الكثير مما يجب التفكير فيه. ولكن، إلى جانب الخسائر البشرية والمالية التي منيت بها الولايات المتحدة، فقد حان الوقت أيضاً للتفكير فيما مر به العراقيون خلال كل هذه السنوات.
وبالإضافة إلى الضحايا العراقيين الذين بلغ عددهم 100 ألف ضحية، وكان معظمهم من المدنيين، فقد تكبدت البلاد خسائر حادة من جراء الاحتلال. والأميركيون ليسوا وحدهم ضحايا لـ«جروح الحرب الخفية». هل ما زال أحد يتذكر أن هذه الحرب كانت قد شنت ظاهرياً للقضاء على «أسلحة الدمار الشامل» التي قيل إنها كانت في حوزة صدام حسين، والتي تبين أنها لم تكن موجودة. إنه ليس من المخجل فحسب، بل من الخطورة أيضاً أن يستمر الحديث حول حرب العراق في الالتفاف حول مسألة شرعيتها.
ولن ينحسر تيار الحرب إذا كانت هناك دولة تستطيع أن تفرض حرباً على دولة أخرى وتحطمها، دون الحاجة إلى القلق بشأن العواقب.