يتعين على من يريد معرفة كيف بدا انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان أن يدرس الأحداث التي صممت أخيراً بعناية في كل من واشنطن وفورت براغ بولاية نورث كارولينا. لقد انتهت الحرب، هذا ما أعلنه الرئيس الأميركي باراك أوباما مراراً وتكراراً. وستترك القوات الأميركية وراءها عراقاً «صلباً ومستقراً وبرلمانياً». إن القوة القتالية الأعظم في العالم تغادر العراق مرفوعة الرأس.
هذا هو ما قاله الرجل الذي كان قد وصف حرب العراق بالحماقة. وكانت هذه الحرب التي استغرقت تسع سنوات وانضمت إلى قائمة أفدح الأخطاء العسكرية على امتداد التاريخ، التي تشمل غارة دييب وقصف بيرل هاربور والغزو الألماني للاتحاد السوفييتي وفيتنام، من وجهة نظر الرئيس الأميركي تسير نحو نهاية ناجحة ومشرفة.
وحتى في ظل حملة انتخابية تنطلق بكامل قوتها، فإن الفجوة التي نشأت بين الكلام الذي قيل في فورت براغ وبين يوم واحد في حياة العراق لم يكن تجاوزها ممكناً. وكانت الفترة الأخيرة هادئة نسبياً، إذ شهدت انفجار سيارتين مفخختين في تلعفر، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 35 آخرين، ووقعت تفجيرات وحوادث إطلاق نار في كل من كركوك والموصل وبغداد. هل انتهت الحرب؟. أو خذ على سبيل المثال قرار مجلس محافظة ديالي بإعلان الانفصال عن الحكومة المركزية.
أو خذ الإجابة التي أدلى بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أخيراً حين طلب منه أن يصف كيف يرى نفسه، حيث قال إنه يرى نفسه من منظور المذهب الذي ينتمي إليه أولاً، وعراقياً بالدرجة الثانية، وعربياً بالدرجة الثالثة، وعضواً في حزب الدعوة بالدرجة الرابعة. ما احتمال قيام دولة أمة، حين يضع رئيس الوزراء هويته المذهبية فوق هويته الوطنية؟ هل يمكن لأي مما سبق أن يعتبر صلباً أو مستقراً أو برلمانياً؟
وفيما يتعلق بسرقة أوباما لملابس الجمهوريين في الخطاب الذي وجهه للمظليين في فورت براغ، فقد يكون هناك شك ضئيل في ذلك. أما مسألة الأمن القومي، مع نهجها القوي في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، فهي اختصاصهم. غير أنها انتزعت منهم من قبل الرئيس الديمقراطي الذي أمر بزيادة عدد القوات الأميركية في أفغانستان، وأرسل فريق الفقمات البحرية لقتل أسامة بن لادن، وفشل في إغلاق معتقل غوانتانامو، والذي يفي الآن بتعهده بإعادة جميع القوات الأميركية إلى الوطن. إن القائد العام للجيش الأقوى على مستوى العالم هو قائد عالمي أيضاً، وينبغي للرئيس الأميركي أن يخاطب الشرق الأوسط كذلك.
فبالنسبة إلى ذلك الشعب، وتحديداً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فإن اليوم الذي يقوم فيه آخر جندي أميركي بعبور الصحراء في نهاية السنة الجارية سيكون بالفعل «حدثاً استثنائياً»، ولكن ليس ذلك الحدث الذي قد يستعد للاعتراف به رئيس يواجه إعادة الانتخاب.
هل سيشكل العراق الذي سيتركه الرئيس أوباما خلفه حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة؟ ليس تماماً. فشريكا العراق المستقبليان هما إيران وتركيا. أما الولايات المتحدة فتأتي في المركز الثالث، بفارق كبير في المستوى.
ولم تسفر الحرب عن إسكات المنتديات المتشددة، التي شكلت مركزاً للعمل المسلح في العراق.. واستعاد الإسلاميون كامل نشاطهم مرة أخرى. ويهم عناصر «الصحوة» أو «أبناء العراق»، الذين لعبوا دوراً أساسياً في تحويل التيار ضد تنظيم القاعدة، بمغادرة العراق، متأثرين بموقف رئيس الوزراء العراقي الذي بذل قصارى جهده لقمعهم. وستحمل الأجيال المقبلة ندوب هذه الحماقة الكبرى. إن النضال من أجل مصير الأراضي العربية يحقق انتصاراً، ولكن ليس على يد أميركا.