تم إحياء صناعة الطاقة النووية على مدى السنوات العشر الماضية من خلال حملة لكسب التأييد، والتي حملت الكثيرين على الاعتقاد بأنها طاقة خضراء بديلة للوقود الأحفوري ونظيفة وخالية من الانبعاثات. وتشكّل هذه المعتقدات تهديداً غير عادي للصحة العامة على الصعيد العالمي، وتشجع على إهدار أموال كبيرة للاقتصادات الوطنية ودافعي الضرائب. لقد أفضى الالتزام القوى بالطاقة النووية كمصدر للطاقة الآمنة بيئياً إلى التخلص من تطوير التقنيات البديلة الشامل التي تعد أرخص بكثير وأكثر أمناً وخالية تقريباً من الانبعاثات، بوصفها مستقبل الطاقة العالمية.

عندما عانت مفاعلات فوكوشيما دايتشي من الانهيارات في مارس الماضي، فإن الحقيقة الصارخة القائلة إن مخاطر الطاقة النووية تتجاوز بكثير أية فوائد بارزة يجنيها العالم منها، كان ينبغي أن تصبح جلية للعالم. كما جاء في التعليق القديم الساخر: «الطاقة النووية هي وسيلة جهنمية لغلي الماء.» وبدلاً من ذلك، فقد استخدمت الصناعة النووية الكارثة لزيادة جهود الضغط المكثفة واسعة النطاق بالفعل. وقد تعهدت بعض الدول بالتخلص التدريجي من الطاقة النووية بعد وقوع الكارثة. لكن ظل العديد الآخرين صامدين في التزامهم.

وقد ترك هذا الملايين من الأبرياء غير مدركين أنهم، بمن فيهم نحن جميعاً، قد نواجه كارثة طبية تتجاوز جميع الأبعاد في أعقاب كارثة فوكوشيما ومن خلال الاستخدام المستمر واسع النطاق للطاقة النووية.

لقد تم تحذير العالم من مخاطر وقوع حوادث نووية قبل 25 عاماً، عندما انفجر مفاعل تشرنوبيل وانطلقت جرّاء ذلك سموم إشعاعية في الجو. تلك السموم «المترسبة»، تكوّن بؤر ساخنة فوق نصف الكرة الشمالي. ويقدر بحث أجراه علماء في أوروبا الشرقية، تم جمعه ونشره من قبل أكاديمية نيويورك للعلوم، أن 40% من كتلة الأرض في أوروبا قد تلوثت بمادة السيزيوم 137 المشعة والسموم الأخرى التي سوف تتركز في المواد الغذائية لمئات الألوف من السنين.

وهناك مناطق واسعة في آسيا، من تركيا إلى الصين، وفي شمال إفريقيا وأميركا الشمالية، طالها التلوث أيضاً. هناك ما يقرب من 200 مليون شخص لا يزالون عرضة للخطر. وأفادت تقديرات البحث أنه حتى الآن هناك ما يقرب من مليون شخص لقوا حتفهم لأسباب ترتبط بكارثة تشرنوبل. لقوا حتفهم بسبب إصابتهم بأمراض السرطان والتشوهات الخلقية ونقص المناعة والالتهابات وأمراض القلب والأوعية الدموية وتشوهات الغدد الصماء والعوامل الناجمة عن الإشعاع والتي ضاعفت الوفيات بين الرضع.

وكشفت الدراسات التي أجريت في بيلا روسيا في عام 2000، أي بعد مرور 14 عاماً من كارثة تشرنوبل، أن هناك أقل من 20% من الأطفال يعتبرون «أصحاء من الناحية العملية»، مقابل 90% قبل كارثة تشرنوبل. والآن، توصف كارثة فوكوشيما بأنها ثاني أسوأ كارثة نووية بعد تشرنوبل. لا تزال هناك أمور كثيرة غير مؤكدة بشأن تبعات الحادث على المدى الطويل.

ربما تعتبر فوكوشيما بالدرجة نفسها أو أشد من تشرنوبل من حيث تأثيراتها في الصحة العامة، حسبما هو متاح من معلومات جديدة. الأزمة مستمرة، والمحطة لا تزال غير مستقرة ويتواصل انطلاق الانبعاثات الإشعاعية في الهواء والماء. فقد أشارت نتائج الرصد الذي تم، أخيراً، إلى وجود نقاط ساخنة خطرة فوق طوكيو وغيرها من المناطق. في الوقت نفسه، قامت الحكومة اليابانية، في أواخر شهر سبتمبر الماضي، برفع تحذيرات الإجلاء لبعض المناطق القريبة من المحطة المنكوبة، على الرغم من بقاء مستويات عالية من الإشعاع. وقدّرت الحكومة اليابانية أنها سوف تنفق ما لا يقل عن 13 مليار دولار للتخلص من التلوث.