لم تستغرق هزيمة الدكتاتور الليبي معمر القذافي سوى محاصرته ببطء من قبل شعبه والقليل من المساعدة الجوية، ولم يقتض الأمر أن يتم تحطيمه بسرعة عبر غزو أجنبي متسرع يهدف إلى عرض العضلات. إن ذلك النوع من «الصبر الاستراتيجي» يشكل الآن عقيدة توجيهية بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما فيما يتعلق بالتعامل مع البقع الساخنة حول العالم. ومن كوريا الشمالية إلى أفريقيا، يبحث أوباما عن خطوات ذكية.

ولكن صغيرة، ليوقع معارضيه في الشرك، إلى حين انتظاره للحظة المناسبة لبناء التحالفات و«القيادة من الخلف» وإدارة الموارد. وفي حال تكلل هذا النهج بالنجاح، فإن خاتمة للصراع، كاختباء القذافي بخنوع في أنبوب للتصريف، تجعل هذا الجهد الذكي والشبيه بأسلوب المحامين يبدو في غاية البساطة. ولكن الصبر الاستراتيجي لن ينجح إذا عمد الرئيس باراك أوباما إلى الكشف عن نفاد صبره، من خلال تحديد موعد لإنهاء الصراع، على سبيل المثال. وفي تلك الحالة، فإن ميزة الصبر الاستراتيجي تصبح في صالح الخصم.

وهذا ما يحصل الآن في أفغانستان، حيث يخطط أوباما لإنهاء الدور القتالي الأميركي بحلول عام 2014 (على افتراض تمت إعادة انتخابه). وليست حركة طالبان وحدها التي تنتظر انتهاء عملية الخروج الأميركية الجارية، بل الجيش الباكستاني أيضاً.

ولا عجب، إذن، أن اضطر أوباما، أخيراً، لإرسال كل من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ورئيس المخابرات المركزية الأميركية ديفيد بتريوس، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي إلى إسلام أباد. وقد حاول فريق القوة ذلك إقناع باكستان بالعمل بشكل أقوى وأسرع للقضاء على قواعد طالبان على أراضيها، ولا سيما شبكة حقاني.

وقد واصلت الولايات المتحدة الضغط على باكستان لتحقيق ذلك لما يزيد على عقد من الزمان، ولم تسفر ضغوطها سوى عن نجاح ضئيل. وقد دفع ذلك أوباما إلى تجاهل سيادة باكستان للتخلص من أسامة بن لادن في الربيع الماضي.

فما الذي يعنيه الصبر الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة في أفغانستان؟

يكمن السر في الهند، التي تنظر إليها باكستان على أنها الخصم اللدود. فهما تتنافسان على بسط نفوذهما في أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية. ويتعين على أوباما أن يقنع الهند بتقديم تنازلات للحد من خوف باكستان من جارتها الأكبر مساحة، وذلك لتتمكن الولايات المتحدة من أن تترك وراءها أفغانستان مستقرة وودودة. وتزعم الولايات المتحدة أن باكستان تدعم جماعة حقاني في حال تمكنت هي وغيرها من جماعات طالبان من تحقيق النصر في أفغانستان.

وبالفعل، فقد خفضت الهند عدد جنودها المنتشرين على طول الحدود مع باكستان. وخلال الأيام الأخيرة، بادر الجانبان إلى توسيع التجارة المحدودة للغاية بينهما. وعلى نحو مثير للدهشة، لم يتجاوز حجم التجارة بين باكستان والهند 1,83 مليار دولار في عام 2010. ولم تتجاوز نسبة الصادرات الباكستانية إلى الهند 1,2 في المئة.

ومن شأن ازدهار العلاقات التجارية بين الهند وباكستان أن يقلل من حدة انعدام الثقة بينهما، والشيء نفسه ينطبق على تسهيل السفر بين البلدين. والأهم من ذلك كله، فإن الهند تحتاج لأن تدع شعب إقليم كشمير المتنازع عليه يقرر مستقبله بنفسه. ولا يظهر الاستمرار في رمي المساعدات الأميركية في باكستان دون تقويض مخاوفها التاريخية صبراً استراتيجياً.

وإذا كان من شأن عقيدة كهذه أن تنجح في أفغانستان، حيث تخوض أميركا أطول حروبها، فيتعين على الرئيس أوباما أن يتعامل بقدر أكبر من الذكاء مع الهند.