لقد وقع أمر جسيم لفلاديمير بوتين أخيراً، يتخطى مجرد خسارة حزب السلطة «روسيا المتحدة» شعبيته بين الناس. لقد كان بإمكان بوتين توقع حدوث هذا الأمر، وافترض أن لديه خطة للتعامل مع الوضع. فإذا عبر الناخبون عن معارضتهم بمقاطعة الانتخابات أو إفساد بطاقات الاقتراع الخاصة بهم، فإن هذا سيعود بالفائدة على حزب «روسيا المتحدة» إما بتزوير الهويات أو بالحصول قانونياً على حصتهم من التصويت.

ولم ينظر بوتين إلى شكل ثالث من الاعتراض عبر التصويت الذي دعا إليه المدون إلكسي نافالني، أي التصويت لأي حزب باستثناء حزب «روسيا المتحدة»، والذي برهن على أنه تكتيك ناجح بامتياز. فقد تم التوصل إلى إجماع بين الناخبين من مشارب مختلفة، من الليبراليين الموالين للغرب، إلى القوميين والشيوعيين.

وعندما أصبح واضحاً للكرملين ما حصل، دخل في صراع مع الزمن وكان عليه الإسراع للتعويض عن فقدان الأصوات. إن معدل التصويت الحقيقي لحزب «روسيا المتحدة» في موسكو كان 23.5%، لكن النتائج صدرت رسمياً بنسبة 46.5%، وهذا يعني سرقة مليون صوت في مدينة واحدة فقط، وبالتالي، رفعت المظاهرات التي انطلقت إثر ذلك مطلباً ملموساً واحداً، وهو الانتخابات المسروقة.

إلى الآن، كان رد فعل بوتين اتخاذ سلسلة من الإجراءات التي تنم عن الفزع. ويمثل وصف «غولوس»، وهي منظمة مراقبة الانتخابات المستقلة الوحيدة في روسيا، بأنها عميلة للحكومات الأجنبية، عزفاً على ورقة الوطنية، لكنها لن تنفع لأن الوطنيين الروس هم في صفوف المعارضة، وإغلاق المواقع الإلكترونية إجراء آخر ينم عن حالة فزع، ولن يجدي نفعاً أيضاً.

 وبوتين يتعلم الآن ما كان يمكن لكل من الرئيس المصري السابق حسني مبارك والرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، إبلاغه به، ومفاده أنه لا يمكنه محاربة اليوتيوب، لاسيما بعد انتقال الكليباب التي تصور تزوير مسؤولي مفوضية الانتخابات لصناديق الاقتراع كالفيروس.

لكن هناك محاذير، أولاً، موسكو ليست روسيا، لكن حركات الاحتجاج الواسعة تبدأ أولاً في موسكو ثم تنتشر إلى خارجها، كما حصل في أواخر ثمانينات القرن الماضي، لكن لا يزال بعيداً عن أن يشكل الحالة حالياً. فالديمقراطيون ليست لهم حظوة يعتد بها لدى الجمهور بعد الدمار الذي ألحقوه بالديمقراطية عندما كانوا في السلطة. والمعارضة هي من دون قيادة. إلى جانب ذلك، فإن هدف الناخبين لم يكن بوتين، وإنما المعينون من قبله. وبوتين ليس له خصوم سياسيون جديون.

إن هذه الأزمة السياسية، التي تشكل أكبر تحد سياسي واجهه بوتين إلى اليوم، هي نتيجة لأخطائه بقدر ما هي نتيجة لاستياء الناخبين. والخطأ الأكبر كان إعلانه تبادل المناصب مع ديمتري ميدفيديف قبل الانتخابات بشهر. وهذا شكل إذلالاً للناخبين، لأنه جعلهم على الهامش. وهذا هو التناقض الكامن في مفهوم الديمقراطية المدارة، أو السلطوية الانتخابية.

الانتخابات تحتاج إلى أصوات، والطغاة يستندون إلى الانتخابات ليس كوسيلة للتعبير، بل باعتبارها فعل تزكية، والدكتاتور لا يذهب إلى الناخبين للحصول على تفويض، بل يعتقد أنه يملك تفويضاً أصلاً. خطأ آخر لبوتين تمثل في إزاحة كل من يتمتع بقوة كافية ليشكل خطاً مختلفاً أو سياسية مختلفة ضمن النخبة. لم يقرر بوتين الطريق الذي سيسلكه.

وهناك مجال واسع أمامه لجعل الأمور تسير نحو الأسوأ. ويمكنه القيام بذلك باعتماد تركيبة من القمع الزائد وكبش الفداء. كما يمكنه تحويل خراطيم المياه إلى المظاهرات المقبلة أو تنظيم محاكمة صورية لحالة فساد فاضحة. أما الخيار الآخر فيتمثل في أخذ هذه الرسالة التي سلمت له على محمل الجد. لكن هذا لن يكون دون مخاطر.