كان الربيع العربي سريعاً ودراماتيكياً، فقد أزاحت الثورات غير المتسمة بالعنف في الشوارع، الحاكمين الطاغيين في تونس ومصر، في غضون أسابيع قلائل، واندلعت ثورات مماثلة في ليبيا واليمن وغيرهما من أرجاء العالم العربي. أما الخريف العربي فهو أبطأ وأشد تعقيداً. ولكن على الرغم من الاضطراب الذي واكب الانتخابات المصرية الديمقراطية الأولى، والتطورات العاصفة التي تجتاح سوريا، فإن المؤشرات لا تزال إيجابية.

نظمت تونس في أكتوبر الماضي أول انتخابات حرة لها، وأسفرت عن حكومة ائتلافية مقبولة على نطاق واسع من جميع التونسيين، والبعض يشعر بالقلق من الدور القيادي الذي يقوم به حزب النهضة الإسلامي، والمكاسب التي أحرزها هذا الحزب في الحكومة الجديدة، تثير الانزعاج في بعض الدوائر الأكثر اتساماً بالطابع العلماني في العالم العربي، ولكن قادة النهضة يعدون باحترام حقوق من لا يشاركهم التوجه نفسه من التونسيين، وليس هناك سبب يدعو لعدم تصديقهم.

وأسفرت الانتخابات التي أجريت أخيراً في المغرب عن نتيجة مماثلة، حيث حظي الحزب الإسلامي الرئيسي في المغرب، وهو حزب العدالة والتنمية، بالنصيب الأكبر من الأصوات، ولكنه لم يحقق أغلبية مطلقة، ولا شك في أنه سيقوم بدور قيادي في الحكومة الجديدة، ولكنه لن يسعى لفرض وجهات نظره وقيمه على الآخرين جميعاً.

لقد استمد هذا الحزب المغربي اسمه من اسم نظيره في تركيا، وهو حزب إسلامي فاز في ثلاثة انتخابات متوالية، ويهيمن على أسرع نمو اقتصادي في تاريخ تركيا، والحزب المغربي شأن نظيره التركي، محافظ على الصعيد الاجتماعي، ومناصر لحرية الأسواق، ومذعن تماماً للدستور العلماني.

إن هذه الأحزاب هي أحزاب "إسلامية ديمقراطية"، على نحو ما عبر أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية التركي، والذي قارنها بالأحزاب المسيحية الديمقراطية في غرب أوروبا. وهي ليست لها علاقة بالجماعات المتشددة مثل القاعدة، وإنما هي المعقل الطبيعي لأصوات المحافظين في المجتمع الإسلامي، تماماً مثلما يحظى الحزب الجمهوري تلقائياً بأصوات المسيحيين المحافظين في الولايات المتحدة.

لم تحدث ثورة في المغرب، والدستور الجديد الذي تمت الموافقة عليه من خلال استفتاء أجري في يوليو الماضي، كان محاولة من جانب العاهل المغربي الملك محمد السادس لاستباق المطالبات بالمزيد من الديمقراطية، التي تكتسح العالم العربي. ويلزم هذا الدستور العاهل المغربي بأن يختار رئيس الوزراء من الحزب الذي يفوز بمعظم المقاعد في البرلمان، كما لا يقيد حريته في التحرك في العديد من المجالات الأخرى.

وقد شهدت مصر انطلاق الانتخابات البرلمانية، التي ستتواصل محافظة إثر أخرى على امتداد البلاد، وقد عاد المتظاهرون إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة، في ضوء شعورهم بأن الجيش يريد التشبث بالسلطة، ولكن الأمور ليست تماماً كما يوحي به ظاهرها. وتؤيد الأحزاب الليبرالية والعلمانية المشكلة حديثاً، المتظاهرين لأنها تخشى أن الإخوان المسلمين سيهيمنون على هذه الانتخابات. ولكن الحقيقة هي أن بعض هذه الأحزاب، كان أقل استعداداً للانتخابات من غيرها، وأياً كان الأمر فإن الحقيقة تظل أن مصر بحاجة ماسة إلى حكومة منتخبة بشكل شرعي.

والسؤال الكبير في مواجهة اضطلاع الإخوان المسلمين بدور كبير في الانتخابات، هو: لمَ لا؟ لقد تجاوزت هذه الحركة تشددها الأصلي، وليس بمقدورك أن تؤجل ديمقراطية إلى الأبد، لأنك لا تثق تمام الثقة في المواطنين الآخرين.