انتخابات المغرب ومؤشرات التقدم

خلافاً لما يراه الغرب، فإن الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخراً في المغرب، لم يعتبرها البعض مؤشراً لخطوة جريئة في اتجاه الديمقراطية، بقدر ما أظهرت طول الشوط الذي ما زال يتعين على المغرب أن يقطعه في سبيل تحقيق إصلاحات حقيقية.

ومقدار السلطة الإضافية التي يتعين على العاهل المغربي الملك محمد السادس أن يتخلى عنها. وفي الوقت الذي انصب اهتمام العالم على المظاهرات الضخمة والمستمرة التي شهدتها مصر، فقد نظمت احتجاجات أصغر نطاقاً بكثير لكنها ذات أهمية في المغرب، سبقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وفي ا

لوقت الذي كانت البلاد تستعد لإجراء أول انتخابات، منذ صدور مرسوم في الصيف الماضي من العاهل المغربي بتطبيق إصلاحات لمنح المؤسسة التشريعية مزيداً من السلطة، فقد خرج آلاف المغاربة إلى الشوارع في مدن الدار البيضاء والرباط وطنجة، تطالب بالتغيير.

وتلقي هذه المظاهرات الضوء على الفجوة الواسعة بين رؤية الغرب للمغرب، بوصفه مثالاً رائداً في كيفية التحول إلى الديمقراطية، ورؤية المواطن المغربي العادي للوضع في بلاده.ويتسم موقف الغرب باللامبالاة إزاء الإصلاحات الديمقراطية "التدريجية"، التي يقوم بها الملك محمد السادس، والتي يتم تنفيذها لتجنب اضطرابات الربيع العربي ولتهدئة المحتجين.

ومن جانبها، وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، الإصلاح الدستوري الذي مهّد الطريق لإجراء الانتخابات الأخيرة، بأنه "خطوة مهمة نحو الإصلاح الديمقراطي" من جانب "صديق وشريك وحليف للولايات المتحدة منذ فترة طويلة".

كما أشاد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بإصرار العاهل المغربي على المضي قدماً في "طريق الديمقراطية". إلا أنه من خلال التعمق فيها من الداخل، تبدو الإصلاحات الدستورية التي تم إقرارها في شهر يوليو الماضي، مختلفة للغاية.

فبموجب الدستور الجديد، يفقد الملك "وضعه المقدس"، إذ سيقوم العاهل المغربي بتعيين رئيس الوزراء من حزب الأغلبية في البرلمان. لكنه لم يرخ قبضته على السلطة المطلقة، مع الاحتفاظ بالسيطرة على المؤسسة الدينية والجيش، وجميع المسائل الأمنية. وبإمكانه أيضاً تطبيق "قانون الطوارئ"، والاحتفاظ بسلطة الاعتراض على جميع تعيينات الوزراء. ويتعين أن يتم التصديق على كل القوانين من قبله.

لم تشارك الأصوات المستقلة من المعارضة في عملية الإصلاح، ولم تتم الاستجابة للمطالب النهائية لحركة 20 فبراير للتغيير. وبدلاً من ذلك، اعتمد العاهل المغربي على الأحزاب السياسية التي كانت داعمة تاريخياً للعرش، لتمرير الإصلاح الأولي.

والواقع أن الموافقة بنسبة 98.5% على الاستفتاء الدستوري الذي جرى في الأول من شهر يوليو الماضي، أبرزت محدودية التغيير، فلم تعكس هذه النسبة غير العادية سوى الحكم. إلا أن الانتخابات الأخيرة في المغرب، أظهرت مؤشرات على التقدم.

فقد ارتفع معدل إقبال الناخبين من 37% خلال الانتخابات السابقة، إلى 45% في الانتخابات الأخيرة. وفاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل، وهو الحزب المعارض سابقاً، بنسبة غير مسبوقة، وتصدر نتيجة الانتخابات بحصوله على 107 مقاعد من أصل 395 مقعداً في البرلمان المغربي. وتشير هذه التطورات إلى أن الإصلاح الحقيقي يمكن أن يكون سهل المنال، لكن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق هذا الهدف.

تظل المشكلات في المغرب في حاجة إلى مزيد من الجهد، الأمر الذي يثير موجة استياء في بعض الأوساط الشعبية، وطلباً مستمراً من أجل الإصلاح. وفي العالم العربي الجديد، لم يعد في وسع الإصلاحات البطيئة والفاترة خلال العقدين الماضيين، استرضاء الناس، سواء في المغرب أو في أماكن أخرى.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات