أثارت المشاهد التي حدثت في القاهرة، خلال الأيام الأخيرة، موجة من الذعر في جميع أنحاء العالم. وقد كانت مصر ثاني دولة في المنطقة، بعد تونس، تنحي حاكمها بعد استعراض لقوة الشعب اتسم في مجمله بالطابع السلمي. وباعتبارها أكبر دولة حتى الآن تمكنت من إتمام ثورتها بنجاح، فقد أضحت مصر بمثابة منارة للدول الأخرى.

وهناك تماثل قلق بين المثابرة البطولية التي أبداها المتظاهرون في ميدان التحرير منذ تسعة شهور وبين الطبيعة الأكثر عشوائية وتقلبا للحشود الحالية التي لا تقل إصراراً. ولكن هناك فرقاً كذلك، وهذا الفرق يتمثل في الحالة النفسية. وإذ كانت احتجاجات ميدان التحرير في فبراير الماضي مدعومة بالأمل، وهو الأمل الذي غذاه تطلع الشباب المصري إلى حياة أفضل، وثقته بقدرته على جعلها حقيقة. فإن هذا الأمل يبدو بعيدا الآن عن ميدان التحرير.

غير أن بذور السخط الحالي زرعت أيضاً في تلك الأسابيع الأولى، حين قبل المصريون، بين مشاعر البهجة والخوف، بأن يرأس الجيش عملية الانتقال. وعندما تولى الجيش زمام الأمور، بعد رضوخ الرئيس المصري السابق حسني مبارك للأمر الواقع، قوبل نقل السلطة بإشادة واسعة النطاق باعتباره تحرراً. ولكنه لم يكن تحرراً إلا في حال قبول الضباط الذين شكلوا المجلس الأعلى للقوات المسلحة بحقيقة أن هذا الترتيب كان مؤقتاً، ويهدف إلى سد فراغ السلطة المحفوف بالمخاطر، الذي يفصل بين الرحيل القسري لرئيس الجمهورية وتنظيم انتخابات حرة.

كان هناك دائماً خوف من أن الجيش سيتذوق طعم السلطة مجدداً، أو من أن الفشل في تسريع عملية تطوير مؤسسات جديدة وإجراءات انتخابية قوية قد يقدم للجيش ذريعة للبقاء كحصن يقي من الفوضى. وكلا الاحتمالين يجعل من استيلاء الجيش على السلطة في فبراير أشبه بانقلاب عسكري، جاء بعد فوات الأوان، منه بالتحرير.

وليس هذا، تماما، ما آلت إليه الأمور اليوم. ولكنه ما يخشاه المتظاهرون، وهو سبب عودتهم إلى ميدان التحرير، والسبب في أنهم يقاومون كل محاولة لإخراجهم. وأفادت تقارير بأن تظاهرات مماثلة اندلعت في أماكن أخرى في مصر.

إن تجدد الاحتجاجات وانتشارها الجغرافي يظهران أنه لا مجال للعودة إلى الوراء. ولكنهما يمثلان كذلك دليلا على العدد الكبير من الفرص التي أهدرت مع مرور الأشهر. إذ لم تبدأ الإصلاحات بشكل جدي في أي من القطاعات، وانخفضت مستويات المعيشة بدرجة أكبر، نظراً لتقلص صناعة السياحة. والإحباط مستمر.

وتعد هذه المرحلة مرحلة خطرة. ذلك أن الانتخابات تبدو كما لو أنها ستكون بعيدة كل البعد عن أن يتم إجراؤها في ظل الديمقراطية التي من أجلها وافق المتظاهرون على مغادرة الميدان خلال الشهور التي مضت. وقد اندلعت الاحتجاجات الجديدة تحديداً بسبب اعتزام المجلس العسكري المطالبة بحق النقض على أي لجنة صياغة دستور جديدة. وكانت الفكرة الأصلية أن يتم تعيين هذه اللجنة من قبل البرلمان الجديد، وأي دور يتم إعطاؤه للجيش، ناهيك عن الاعتراض على تشكيل اللجنة وعملها، قد ينظر إليه على أنه ينفي الهدف الأساسي من الانتخابات.

وكان جلياً أن المضي قدماً بعملية التصويت في ظل هذه الأجواء من شأنه أن يكون وسيلة لجلب المتاعب. ولكن الشيء ذاته ينطبق على تأجيلها، الذي لن يؤدي إلا إلى المزيد من التشاؤم والمخاطرة باندلاع صدامات جديدة. ويتعين على الجيش أن يكون مقتنعاً بأن أي محاولة لإطالة أمد استحواذه على السلطة سيؤدي إلى تفاقم هذا الوضع المحفوف بالمخاطر أصلاً.