يدرك قادة الدول الثلاث الأقوى في أوروبا، ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، أن القارة تقترب بسرعة من مفترق طرق عسير. فما الذي سيؤول إليه الاتحاد الأوروبي؟ لقد وصفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل هذه الفترة، بـ"الساعات الاكثر صعوبة منذ الحرب العالمية الثانية" بالنسبة للقارة الأوروبية. وما لا يتفق عليه هؤلاء القادة الأوروبيون، هو الطريق الذي سيمضون عليه إلى الأمام.

ولا شيء غير عادي في ذلك، إذ أن مستقبل أوروبا ككيان سياسي واقتصادي، يتحول بصورة سريعة إلى قضية اللحظة بالنسبة للجميع. والآن، تهدد فوضى الديون الأوروبية، التي ركزت على البلدان الصغيرة، مثل البرتغال وايرلندا واليونان خاصة، بأن تجر إيطاليا أيضاً إلى الهاوية.

وقد ساهمت الأزمة بالفعل في تعيين قائدين جديدين في اليونان وإيطاليا، وأثارت جدلا حادا حول كيفية إنقاذ هاتين القوتين الاقتصاديتين. وهل ستصبح العملة الموحدة لـ17 دولة أوروبية، أي اليورو، ضحية لتلك الأزمة؟ حيث يخشى بعض خبراء الاقتصاد أن دولاً ستقرر الانسحاب من العملة الموحدة وتتسبب في صدمة كبيرة، ليس للنظام المالي الأوروبي فحسب، وإنما للنظام المالي العالمي برمته.

ولطالما كان الاتحاد الأوروبي يعني أكثر من مجرد اتحاد اقتصادي، فهو يمثل الأمل في أن أوروبا، بعد قرون من القتال، أصبحت في النهاية كياناً سلمياً واحداً. لكن يبدو من غير المرجح أن تتمكن أوروبا من تجاوز الأزمة الحالية بمجرد التخبط، فلابد لها من اتخاذ خيارات واضحة. وما تعتقده ألمانيا يعد ذا أهمية كبيرة، كونها تمثل المحرك الاقتصادي النابض للقارة، بعد أن تمكنت بالفعل من انتشال نفسها من الركود. وفي خطاب أخير، دعت ميركل إلى السير "خطوة خطوة" نحو "الوحدة السياسية" الأوروبية، وإلى "أوروبا أكثر، لا أقل"، على حد تعبيرها.

ولكن بينما أبدت التزامها بتحقيق ذلك الهدف بعيد المدى، امتنعت عن المصادقة على خطوات قريبة المدى، بما في ذلك إنشاء بنك مركزي أوروبي، من شأنه أن يكرس الموارد الألمانية على نحو أكثر عمقاً، لحل مشكلات الديون التي تواجهها الدول المجاورة.

وقد جادل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، مؤخراً، بأن فكرة الاتحاد الأوروبي الموحد باتت غير عملية إلى حد كبير، وتحدث عن أوروبا "ذات سرعتين"، تضم في مركزها دولاً تسير نحو الاندماج، في حين تبقى دول أخرى منتظرة عند الأطراف كاتحاد كونفيدرالي متباعد. ومن جهة أخرى، يحاول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، كبح جماح المشككين في أوروبا داخل حزبه المحافظ، الذين يرغبون في استغلال الأزمة لإبعاد بريطانيا بدرجة أكبر عن الاندماج في أوروبا.

وتتضمن رؤية كاميرون الخاصة، التي كشف عنها في خطابه الأخير، انتقال السلطة بعيدا عن سلطة مركزية أوروبية. ولن يكون ترك الاتحاد الاوروبي في مصلحة بريطانيا، ولكن البريطانيين، على حد تعبير كاميرون، من حقهم أن يسألوا عما يجب وما لا يجب فعله من قبل الاتحاد الأوروبي، وتغييره وفقا لذلك، رغم أن بريطانيا بقيت على هامش الاتحاد النقدي، مفضلة الجنيه الإسترليني على اليورو. قبل أن تتمكن أوروبا من معالجة حقيقية لأزمتها المالية العميقة، فإنها تحتاج لأن تطرح الأسئلة العميقة التالية: هل يعد سكان القارة الأوروبية أوروبيين في المقام الأول أم قوميين؟

وهل يثق أحدهم بالآخر بما يكفي لربط مصائرهم الاقتصادية معا، في السراء والضراء؟ أو، ربما، هل تخطى الحلم بأوروبا موحدة، الذي ساهم في تحقيق السلام والاستقرار على مدى العقود الستة الماضية، المرحلة التي كان خلالها مجدياً؟