يناقش المسؤولون الأميركيون والروس منذ عدة شهور إمكانية التعاون في الدفاع الصاروخي بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، ولكنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق حتى الآن. وقد عمد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أخيراً إلى تثبيط ذلك الاحتمال، ويبدو المسؤولون الاميركيون أقل تفاؤلا مما كانوا عليه في الماضي. وقد ناقش كل من الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف هذه المسألة أخيراً خلال قمة «ابيك» التي عقدت في هونولولو، ولكن يبدو أنهما لم يحرزا أي تقدم. فهل هذه الفرصة على وشك أن تضيع؟
إن موسكو تخشى من ان الدفاعات الصاروخية الأميركية قد تهدد القوات الاستراتيجية الروسية. وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش سعت إلى الفصل بين الهجوم الاستراتيجي والدفاع الصاروخي، إلا أن الترابط بينهما بات ملحوظاً على نطاق واسع على امتداد 50 عاما، حتى من قبل إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وتنشأ العقبة الرئيسية التي تعرقل التعاون في مجال الدفاع الصاروخي من مطالبة موسكو بضمانات قانونية لعدم توجيه الطائرات الأميركية ضد الصواريخ الاستراتيجية الروسية. وتبدي إدارة أوباما استعداداً تاماً لتقديم ضمانات سياسية مكتوبة على أعلى مستوى، ولكن الضمانات القانونية لن تجدي نفعاً. إذ أن أي اتفاق قانوني يلمح مجرد تلميح إلى تقييد الدفاع الصاروخي لن تكون لديه أدنى فرصة للحصول على مصادقة مجلس الشيوخ الأميركي، حيث يرى العديدون أن دعم الجمهوريين للدفاع الصاروخي يضاهي في بديهيته معارضتهم لزيادة الضرائب.
والمفارقة المحبطة هي ان كلا من الجانبين وجد، كما يقال، تقارباً كبيراً في وجهات النظر فيما يخص النتائج التي ستترتب على التعاون العملي في مجال الدفاع الصاروخي بين حلف «ناتو» وروسيا، والتي تتضمن شفافية برامج الدفاع الصاروخي، وتدريبات مشتركة بين «ناتو» وروسيا في مجال الدفاع الصاروخي، وإنشاء مركزي دفاع صاروخي تتم إدارتهما بصورة مشتركة.
ومن شأن التعاون بين «ناتو» وروسيا في تلك المجالات أن يوفر حماية أفضل للمنطقة الواقعة بين المحيط الأطلسي والأورال ضد أي هجوم بالصواريخ البالستية. ومن خلال جعل «ناتو» وروسيا أشبه بالحلفاء في عملية الدفاع عن أوروبا، فمن الممكن أن يؤدي ذلك إلى كسر الصورة النمطية للحرب الباردة التي ما زالت قائمة على كلا الجانبين.
ويتعين على واشنطن أن تستمر في تقديم أقصى قدر ممكن من الشفافية لموسكو فيما يخص أنظمة الدفاع الصاروخي الخاصة بها، وأن تبقي، هي وحلف شمال الأطلسي، الباب مفتوحا للتعاون. أما موسكو فينبغي لها أن تتراجع عن مطالبتها بضمانات قانونية تعجز إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عن توفيرها، وأن تتجه إلى التعاون العملي.
وهذا النوع من التعاون سيعني الشفافية والتفاعل اليومي بين ضباط «ناتو» والجيش الروسي، مما سيقدم لروسيا أفكارا أساسية حول قدرات الدفاعات الصاروخية الأميركية، وحول احتمال تشكيلها تهديداً على الصواريخ الروسية.
كما سيعطي روسيا صوتا في هندسة الدفاع الصاروخي الآخذة في التبلور الآن. وسيعمل أيضا على تضمين الدفاعات الصاروخية الأميركية في أوروبا في إطار ترتيب تعاوني بين «ناتو» وروسيا.
وهذا يعني أنه لو قامت الإدارة الأميركية في المستقبل بأخذ الدفاع الصاروخي في اتجاه مختلف بشكل جذري، فإنها لن تضطر إلى مناقشة ذلك مع روسيا فحسب، ولكن مع سائر أعضاء «ناتو» أيضاً. ولن يكون هناك ما يمنع موسكو من الانسحاب من الترتيبات التعاونية في حال استنتجت، في وقت لاحق، أن ردعها النووي في خطر. ولكن الجلوس على الهامش يعني تفويت فرصة من الممكن أن ترتقي بعلاقات أوسع بين الولايات المتحدة وروسيا وبين «ناتو» وروسيا إلى مستوى أكثر إيجابية.