كان سقوط روما بعد أيام معدودة من سقوط أثينا، سيعطي النخبة القديمة الواعية تقليديا في أوروبا فسحة للتأمل، لكن من بقي له موقع في السياسة الأوروبية حاليا، يبدو أقل اهتماما بالقضايا التاريخية، وأكثر انشغالا بأوضاع الميزانية العمومية من انشغاله بالماضي السحيق. وبالتالي لا ينظر هؤلاء إلى خروج أشخاص منتخبين من أمثال رئيسي وزراء اليونان وإيطاليا، حتى لو كان أداؤهما معيبا، واستبدالهما كما يفترض بخبراء اقتصاديين، على أنه مشكلة، بل تأكيد لأن هذه الأمة تنوي القيام بالمهمة المنوطة بها. وفي الحالة الإيطالية تحديدا، فإن خروج رئيس الوزراء الإيطالي الرهيب سيلفيو برلسكوني، قد هدأ مؤقتا الأعصاب التي اهتزت خلال اضطراب أسواق السندات. لكن تعيين كوارد قيادية جديدة، من أمثال لوكاس باباديموس في أثينا وماريو مونتي في روما، الموصوفين بكونهما مثالا للـ"تكنوقراط"، سرعان ما سيطرح تساؤلات أكثر مما سيطرح إجابات. وصعود التكنوقراط هو ما نشهده الآن. وهذا الاصطلاح القبيح يظهر شيئين منفصلين، الأول أنه نقيض التعابير المألوفة المشتقة من الكلمة اليونانية "ديموقراطية" التي تجلب إلى الأذهان عامة الناس. فالسيدان باباديموس ومونتي لا يتعين عليهما القلق على عامة الناس، بما أنهما غير منتخبين، وهما غير منتخبين ليس على طريقة غوردون براون بتسلمه رئاسة الوزراء في منتصف الولاية، بعد توليه رئاسة حزب العمال البريطاني، وإنما فعلا غير منتخبين بمعنى كما كان يمكن أن يكون عليه وضع براون لو أنه دخل مبنى رئاسة الوزراء رقم 10 داوننغ ستريت، دون أن يكون رئيس وزراء. لقد مر قرن ونيف منذ أن حكمت بريطانيا من قبل رئيس وزراء منتم إلى مجلس اللوردات السابق للديمقراطية، لكن المفوض الأوروبي السابق مونتي تم تعيينه مؤخرا كعضو مجلس شيوخ مدى الحياة، حتى قبل أن يطلب منه تشكيل الحكومة. وفي هذه الأثناء، فإن البيروقراطي اليوناني من المصرف المركزي باباديموس، تم استدعاؤه لملء فراغ أوجده رئيس الوزراء اليوناني السابق جورج باباندريو، الذي كان يتساهل حيال الفكرة الخطرة القاضية بمنح الناس صوتا في سياسة التقشف، من خلال دعوته إلى إجراء استفتاء. ولقد صارع الديمقراطيون دون شك لتخفيض الأجور وغيرها من الاقتطاعات من سكان أوروبا الجنوبية، ويمكن أن تقع حكومة أخرى ضحية الركود في الانتخابات الإسبانية قريبا.
وإذا كان الابتعاد عن الرأي العام الشعبي هو الأمر الأول الذي يظهره "التكنوقراطيون"، فإن الأمر الثاني يتعلق بالخبرة والمهارة. وبروكسل تود رؤية زعماء أوروبا يعالجون اقتصادها المنهار، بالروح الاحترافية والمهنية لمهندس يصلح طائرة. لكن السعي وراء هذه المناظرة يسلط الضوء على كم هي تلك الآمال بعيدة المنال، وفي سبيل إصلاح طائرة على الأرض، سيقوم المهندس أولا باحتساب وزن الطائرة والقوة المطلوبة للتغلب عليها، ثم سوف يبدأ بالنظر في الخيارات المتاحة للقيام بذلك. وفي المقابل، فإن أولئك الذين يحاولون إصلاح الاقتصاد الأوروبي، يعملون استنادا إلى قانون جامد، مفاده أن وزن الدين العام أمر يفترض تخفيضه أولا بكل الوسائل المتاحة، حتى لو أدى هذا إلى أضعاف هائل في قوة النمو، التي يفترض أن تحمل هذا الوزن في نهاية المطاف. ونتيجة لذلك، فإن الاقتصاد لن يحلق على الأرجح. وبطريقة مماثلة، فإن هذا المهندس سيكون شديد القلق حيال توازن القوى عبر جناحي الطائرة، في الوقت الذي تتصور النخبة الأوروبية أن بإمكانها فرض كل التعديلات على الدول الأطراف المديونة، وترك أمثال ألمانيا وشأنهم. لكن مواءمة مختلة لن تؤدي إلى توازن، فالاقتصاد ليس هندسة، وهو يبقى فنا بقدر ما يبقى علما، وأحكامه لديها معان شاسعة تتعلق بما يحصل على ماذا، مما يعني أنه دوما مثير للجدل سياسيا.