ما بدأ باعتباره "صدمة ورعباً" في عام 2003، سينتهي بأنة، بحلول ليلة رأس السنة، مع إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، أن الولايات المتحدة ستسحب كامل قواتها من العراق، ولن تبقي سوى 200 جندي من أصل 41 ألف جندي. ورداً على ذلك نقول: فلتفعلوا ذلك، أي الانسحاب. وقد حددت اتفاقية وضع القوات، التي أبرمت في عام 2008 بين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والقادة العراقيين، نهاية العام الجاري باعتباره الموعد الرسمي لمغادرة جميع القوات الأميركية. ولكن كان واضحاً منذ أشهر، أن إدارة أوباما أرادت أن تبقي هناك بضعة آلاف من الجنود الأميركيين، لغرض تدريب العسكريين العراقيين.

وكانت نقطة الخلاف أن الولايات المتحدة طالبت بمنح الحصانة الكاملة للجنود الأميركيين من الملاحقة القانونية، ولكن البرلمان العراقي لم يقبل بذلك (هل سيكون من غير الجدي على نحو فظيع أن يتساءل المرء لماذا لا تزال هناك حاجة، بعد أكثر من ثماني سنوات في العراق، لأن تقوم القوات الأميركية بتدريب العراقيين؟ هل هم عاجزون عن الاستيعاب إلى هذه الدرجة؟).

ويتعين على الولايات المتحدة أن تكون ممتنة لإخراج جنودها من العراق، وبالتأكيد فإن معظم الجنود سيشعرون بالسعادة لمغادرتهم ذلك البلد. لكن الخطة تتمثل في بقاء موظفي وزارة الخارجية الأميركية، وخمسة آلاف متعاقد خاص في الأراضي العراقية، وهو ما سيكون مكلفاً. ومع ذلك، فإن تلك التكلفة ستكون زهيدة بالمقارنة مع الثروة الهائلة التي أهدرت حتى الآن على ذلك الحدث المأساوي.

إن خسارة 4478 جندياً أميركياً، فضلًا عن 125 ألفاً من المدنيين العراقيين، لا يمكن اختزالها في الأرقام. أما التكلفة النقدية فيمكن اختزالها رقمياً. وفي الصيف الماضي، توصل مشروع تكاليف الحرب الذي نفذته جامعة "براون"، إلى أن التكلفة الإجمالية للصراعات في كل من العراق وأفغانستان وباكستان، تتراوح بين 3,7 و4,4 تريليونات دولار، وهي تتضمن المبالغ الطائلة التي تم إنفاقها بالفعل، والنفقات القاصمة التي سيتم تخصيصها على مدى العقود الأربعة المقبلة، لرعاية قدامى المحاربين الذين أصيبوا بجراح من جراء الصراع.

وكل ذلك المال هو مال مقترض. وفكر في مدى سخف أن الجمهوريين، منذ فترة وجيزة، رفضوا الإفراج عن أموال الإغاثة في حالة الكوارث، في ظل عدم وجود تخفيضات في الميزانية تعوض عنها، ومع ذلك، فهم، قبل سنوات قليلة مضت، لم يبدوا أي اعتراض على الدخول في حربين بالدين، إلى جانب تخفيض الضرائب التي كان من شأنها أن توفر المبلغ اللازم لسداد ذلك الدين. ووفقاً لدراسة جامعة براون، فإن الفوائد المتراكمة على تلك الديون، وصلت بالفعل إلى تريليون دولار.

أضف إلى ذلك تكلفة "كان من الممكن أن يكون". وفي الصيف الماضي، وجد جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، أن الحرب في العراق ساهمت بشكل غير مباشر في الانهيار الاقتصادي والكساد الكبير، فضلاً عن زيادة تقدر بعشرة دولارات في سعر برميل النفط الواحد.

وقد دل العجز الهائل الذي نجم عن الحرب، على أن الولايات المتحدة، بمجرد أن وقع الانهيار، كانت تعاني من نقص في الموارد اللازمة للاستثمار في إيجاد فرص عمل وإنعاش الاقتصاد. وفي حين كان وول ستريت مساهماً رئيسياً في الفوضى التي نعيشها الآن، فإن الحرب كانت كذلك أيضاً.