سينظر العديد من الإيطاليين إلى العقدين الأخيرين، على أنهما يشكلان أكثر الفترات بؤساً على امتداد التاريخ الطويل لبلدهم الجميل. ولكن من الممكن أيضا أن ينظروا إلى تلك الفترة على أنها تمثل أحدث تجربة في مختبر الديمقراطية، الذي احتضن فاشية موسوليني، وأقوى حزب شيوعي على مستوى الغرب، حتى الآن، وهو حزب سيلفيو برلسكوني.
في أوائل تسعينات القرن الماضي، كان سيلفيو برلسكوني، قطب الإعلام، يعتبر منقذاً لنظام سياسي كان يراه الكثيرون مكسور الجناح، حيث بدا له الاستقطاب السياسي، وتآكل الإيديولوجيات التقليدية، ونظام الرشاوى واسع النطاق، أمراً مشروعاً.
وقد قدم برلسكوني ما يشبه أرضية وعود جديدة. فقد كان ناجحاً، وثرياً، وساهم في تحسين الموقف الاقتصادي في البلاد. وقد أصبح قطب الإعلام هذا، كذلك، نموذجاً لقالب إيطالي معين، إذ كان ذكياً وداهية ومحباً للاتينية وفكاهياً، ولكنه كان أيضا "ساعياً للمنصب".
وقد كان، على نحو متناقض، يلقى دعماً من جانب أحزاب يسار الوسط واليسار، والتي تبين أنها تشكل نظاماً متنافرا يضم مصالح وأفكاراً متباينة، وكانت له القدرة على التخلص من منافسه رومانو برودي مرتين، على الرغم من حقيقة أنه كان الوحيد القادر على الفوز في الانتخابات ضد برلسكوني.
ولسوء حظ برلسكوني، فقد خسر مصداقيته على مر السنين، على الصعيدين الوطني والدولي. وأصبحت السياسة عبارة عن "عرض لرجل واحد" يركز على شخصية برلسكوني التي راحت تزداد سخفاً، نتيجة للفضائح الجنسية وتحقيقات الشرطة ودفاعه المستميت عن إمبراطوريته المالية. وقد تزامن ذلك مع مقترحات متشددة على نحو متزايد، لوقف التنصت على المكالمات الهاتفية، وتغيير القوانين المتعلقة بدعاة الأطفال، ومنع الصحافيين من مراقبة السياسيين.
وقد كانت الفكرة أن الديمقراطيات الحديثة يمكن أن تدار كما تدار الأعمال التجارية الشخصية، أي دون قدر كبير من المعارضة الداخلية، والتدخل الدولي. وكان ذلك انتصارا للمصالح الشخصية على الواجبات العامة والاحتياجات الجماعية، وكما في عهد الإمبراطور نيرون، فقد بدا قادة الحكومة وكأنهم يعزفون على آلة الكمان في حين كانت إيطاليا "تحترق" من الناحية المالية.
ولكن كما حررت القوات الأنجلو أميركية (بدعم من الأنصار المناهضين للفاشية) إيطاليا من الفاشية، فإن القوات الدولية، بما في ذلك البنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي والزعامة الفرنسية الألمانية والأسواق المالية، ساعدت إيطاليا على نحو مماثل، على وضع حد لهذا الفشل ولقيادة برلسكوني المعاصرة، التي غالباً ما كانت محرجة للغاية.
ولكن كان هناك احتجاج، حتى من جانب عدد من حلفائه الرئيسين. والآن، وبعد التشاور مع رئيس الجمهورية الإيطالية، صرح برلسكوني بأنه سيقدم استقالته بعد أن يقوم البرلمان بتمرير الخطة الاقتصادية اللازمة والمطلوبة من قبل الاتحاد الأوروبي. وهذا في جوهره يمثل نهاية المشوار السياسي لقطب الإعلام، ولكن الميراث البرلسكوني سيدوم لفترة أطول من الوقت. لقد خسر برلسكوني أخيراً، ولكنه بالتأكيد لن يـُنسى في وقت قريب.