على امتداد العقود الماضية، اعتقد القوميون الفلسطينيون أنهم كانوا بحاجة لاختطاف الطائرات أو تفجير المدنيين الإسرائيليين، من أجل جذب الاهتمام الدولي. ولا يزال بعضهم يعتقد ذلك، ولكن القادة المعتدلين باتوا يكتشفون أخيراً، أن السبيل إلى جذب الاهتمام ربما يكون، بدلا من ذلك، عبر الأمم المتحدة.
ومنذ أيام قليلة، حقق أولئك القادة نصراً كبيراً عندما منحت فلسطين، التي لم يكن لها وجود من الناحية الفنية، العضوية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو". وقد أدى ذلك إلى شعور إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بالاستياء، وإلى إثارة غضب أعضاء الكونغرس المؤيدين لإسرائيل من كلا الحزبين الأميركيين. ولكن بصرف النظر عن شعور المرء إزاء الحدود المناسبة لإسرائيل، فإن التحول الفلسطيني إلى استراتيجية دبلوماسية يمثل تقدما.
كما أنها تحقق نجاحاً رائعاً، إذا كان هدف الفلسطينيين منها لفت الانتباه إلى قضيتهم. وقد أظهر تصويت اليونسكو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، وليس الفلسطينيين، هما اللتان تعانيان عزلة دولية، حيث كانت الولايات المتحدة على الجانب الخاسر من التصويت، الذي كانت نتيجته 107 أصوات لصالح العضوية الفلسطينية، مقابل اعتراض 14 عضواً، مع امتناع 52 دولة عن التصويت، بما في ذلك بريطانيا، الحليف القوي للولايات المتحدة، في حين صوتت فرنسا، وهي حليف أوروبي حميم آخر، لصالح الفلسطينيين.
وجاءت تلك النتيجة على الرغم من الحملة المحمومة التي خاضتها وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، في سبيل حشد تأييد العواصم الأجنبية لموقف الولايات المتحدة. وبسبب القوانين التي صدرت في أوائل تسعينات القرن الماضي، والتي تحظر تمويل أميركا لأية منظمة تابعة للأمم المتحدة تمنح العضوية للفلسطينيين، فيتعين على واشنطن الآن أن تحجب 80 مليون دولار عن اليونسكو، وهو ما يعادل حوالي 22% من ميزانيتها.
وذلك ليس على قدر كبير من الأهمية المباشرة، إذ أن اليونسكو، التي تدير برامج لمكافحة الفقر، وأخرى تعليمية وثقافية في جميع أنحاء العالم، تشكل أولوية متدنية بالنسبة لواشنطن، التي انسحبت منها بشكل تام في الفترة ما بين عامي 1984 و2003، ومن المرجح أن الدول الأخرى ستبادر إلى ملء الفجوة الحاصلة في ميزانية المنظمة.
ولكن من المحتمل أن يشجع هذا النجاح الزعماء الفلسطينيين على السعي للحصول على العضوية في منظمات أخرى تؤثر بصورة أكبر على مصالح الولايات المتحدة، ومنها المنظمة العالمية للملكية الفكرية (التي تساعد على حماية براءات الاختراع وحقوق المؤلف، وتحظى بأهمية كبيرة بالنسبة لهوليوود ووادي السليكون)، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الطيران المدني الدولي. وذلك من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة على سحب تمويلها من تلك المنظمات، مما سيفقدها عضويتها ونفوذها في تلك الهيئات في نهاية المطاف.
لا بد من إلغاء قوانين مكافحة فلسطين. والمطلوب هو سياسات من شأنها تشجيع الإسرائيليين والفلسطينيين على تسوية خلافاتهم على طاولة المفاوضات، ولكن تلك القوانين لا تمارس ذلك النوع من الضغط، وليس لها تأثير يذكر على الأصوات في الأمم المتحدة (ربما لأن فقدان تمويل الولايات المتحدة لا يشكل الآن الخطر الذي كان يشكله في وقت من الأوقات)، وقد تؤدي إلى تقويض النفوذ الأميركي حول العالم إلى حد كبير. وبالنظر إلى واقعنا السياسي، فإننا لا نحمل آمالاً بأن يقوم الكونغرس بفعل الصواب. ولن تكون النتيجة المرجحة شرقاً أوسط ينعم بقدر أكبر من السلام، وإنما أميركا تعاني قدراً أكبر من العزلة.