وسط تعقيدات التخفيضات ومعدلات المستوى الأول من رأس المال وهيئات الأغراض الخاصة، فقد يكون من السهل أن يغفل المرء عن الأهمية البالغة التي يتمتع بها اتفاق منطقة اليورو الأخير. ولكن هذا لا يعني أنه لا يعد بالغ الأهمية، وذلك ليس نتيجة لما يقدمه من حل لأزمة اليورو، بقدر ما هو نتيجة لما يحمله من دلائل بشأن مستقبل أوروبا نفسها.
وفي ما يخص تفاصيل الاتفاق، فإنه يتسم بالواقعية كذلك. وتدل حقيقة أن الخطة لم تظهر إلا بعد مفاوضات ماراثونية مطولة، على الصعوبات التي انطوت عليها، على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وقد لا يشكل الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخراً، "الحل الشامل" الذي روج له بعض القادة الأوروبيين في الآونة الأخيرة. ولكنه يشكل أكثر الاتفاقات فعالية حتى الآن، وينبغي الاحتفاء به على هذا الأساس. وهو أيضا أفضل بكثير من حالة الجمود التي راحت تلوح في الأفق، مع تعثر المحادثات وإسرافها في الطول.
وأكثر ما كان ملفتاً للنظر هو استجابة المستثمرين العالميين. فبدعم من التوقعات المتفائلة مبدئيا، ارتفعت أسواق الأسهم في جميع أنحاء العالم، وانخفض فارق العوائد الخاصة بالسندات الإيطالية، وارتفعت أسهم البنوك الأوروبية، رغم الشطب المقترح لـ50% من حيازاتها من الديون اليونانية.
ويقال إن الخطة، التي لا يزال شق كبير من تفاصيلها الحاسمة بحاجة لأن يتم الاتفاق عليه، ستستغرق بضعة أسابيع قبل أن يصبح في الإمكان قياس فعاليتها على نحو منصف. وهي سبب للحديث بابتهاج عما يسمى "الحلاقات" التي فرضت على مقرضي اليونان، على سبيل المثال.
وفي ما يتعلق بكيفية تنفيذ عمليات الشطب، فإن ذلك غير واضح حتى الآن. وبالمثل، فإن خطة توسيع مرفق الاستقرار المالي الأوروبي إلى ما يزيد على تريليون يورو تشكل، ظاهريا، إنجازا ملحوظا. لكن تطبيق مقترحات استخدام مرفق الاستقرار المالي الأوروبي الحالي، باعتباره مؤمناً على مبيعات السندات الحكومية في منطقة اليورو، مع إغراء الكفلاء الأجانب بوضع الأموال في صندوق مواز، يشكل مهمة سيرفضها الجميع، ما عدا الأعضاء الأشد بؤساً.
وباختصار، فإن هناك عدداً لا يحصى من الإشكاليات التي تحتاج إلى معالجة على امتداد الأسابيع والأشهر المقبلة. ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق، هو أنه ما لم يتمكن جنوب أوروبا من العودة إلى النمو، فإنه حتى نظام الإنقاذ الذي تم توسيعه مؤخراً، سيغدو قاصراً وبحاجة إلى التجديد. ولكن لا يمكن لأي من المحاذير والشكوك وعلامات الاستفهام، أن تنتقص من شأن التحول التاريخي الذي شهدته مؤتمرات القمة الأخيرة.
وليس جورج أوزبورن هو وحده من يعرف "المنطق القاسي" للاتحاد المالي، على أنه نتيجة طبيعية لعملة واحدة. ولكن بينما كان زعماء منطقة اليورو يواصلون إثارة الاعتراضات التافهة، على حساب المخاطر السياسية والمعنوية للوقوف خلف ديون نظرائهم مباشرة، لم يكن هناك ضمان على أنه سيتم اتباع أي منطق. وحتى الآن، لم يكن هناك أي شيء ملموس. ولكن هناك نقاشاً مستجداً حول فرض رقابة مالية أدق، ومتابعة تنفيذ الدول الأعضاء لموازناتها، وتقرير أول عن آليات تهدف إلى توثيق الاتحاد، والذي سيصدره رئيس الاتحاد الأوروبي بحلول عيد الميلاد المقبل.
ولكن صفقة الإنقاذ الأخيرة لن تحل أزمة اليورو من تلقاء نفسها. فرغم أن غيوم العاصفة الاقتصادية بدأت تخف، إلا أنها بعيدة كل البعد عن الانقشاع، ولا بد من الحفاظ على الزخم الذي صاحب عقد هذه الصفقة أثناء الخوض في التفاصيل. ولكن نظراً لأن التقدم نحو اتحاد "ذي سرعتين"، قد بدأ بشكل لا لبس فيه، فإن أوروبا لن تبقى على حالها بعد اليوم.. وكذلك الحال بالنسبة لمكانة بريطانيا فيها.