أدت نتائج الانتخابات التونسية، إلى إصابة الأحزاب العلمانية بخيبة أمل كبيرة. ومن الواضح أن الإسلاميين يشكلون الآن القوة المهيمنة، إذ أكد حزب النهضة أنه فاز بأكثر من 40 في المئة من المقاعد المتاحة في الجمعية التأسيسية، والبالغ عددها 217 مقعداً (أي ما يعادل أكثر من 50 في المئة من مجموع التصويت وفقاً لبعض التقديرات).
ولا تعني هذه الهزيمة الانتخابية التي مني بها العلمانيون، أنه يتعين على تلك الأحزاب، أو على المراقبين الغربيين، أن يعمدوا، في حالة من اليأس، إلى التخلي عن جهود الإصلاح أو الابتعاد تماماً عن الساحة السياسية.
وبدلاً من ذلك، يجب على الأحزاب العلمانية أن تغتنم هذه المناسبة للتفكير في أخطائها، وتوحيد قواها في سبيل تقديم خدمة أفضل للشعب التونسي. ويتعين على الغرب أن يتأكد من أن أي دعم للحكومة التونسية، سيكون على أساس احترام الحقوق والحريات الفردية. وينبغي لكلا الجانبين أن يدعما تنظيماً صارماً لعملية التمويل السياسي.
ولكن من هم الإسلاميون الذين يمسكون بزمام الأمور الآن؟ وما الخطأ الذي ارتكبته الأحزاب العلمانية؟
لقد شبه المحللون الغربيون حزب النهضة بحزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي، وهو ما فعله الحزب أيضاً ليقدم نفسه على أنه يمثل حركة معتدلة. وفيما قد تكون برامج الحزبين متشابهة، ويؤثر بعضها على البعض الآخر في بعض الأحيان، فإن التاريخين التركي والتونسي يختلفان تماماً، وكذلك الحال بالنسبة لدستوري البلدين.
فتركيا دولة علمانية متشددة، لها تاريخ طويل في الفصل بين الدين والدولة. ومن جهة أخرى، فإن دستور تونس الحالي لا يعد علمانياً بشكل صريح، وهو يبقي المجال مفتوحاً أمام المزيد من التفسير الديني للنهج الذي ينبغي أن تعتمده الدولة في تسيير أمورها، ومن غير المحتمل أن يتغير هذا مع التعديلات الدستورية المقبلة. وقد أضحى احتمال القمع باسم الدين يشكل تهديداً مشروعاً، مع استلام الإسلاميين لمقاليد السلطة.
لقد فشل العلمانيون في محاولتهم لجذب الشعب التونسي، مما أسفر عن نتائج الانتخابات الأخيرة، ويتحتم عليهم الآن أن يحترموا حنكة الإسلاميين السياسية. ولم يكن فوز حزب النهضة في نظام انتخابي نسبي، أمراً ممكناً إلا بسبب ما عانته حملات العلمانيين من عدم تنظيم، وانقسام، وانتهازية، إذ إن الأشخاص الذين صوتوا لصالح حزب النهضة، لم يكونوا جميعهم إسلاميين، ولم يكن معظمهم حتى من المحافظين.
ولكن سياسة التخويف على طريقة الرئيس التونسي المخلوع ابن علي، والتي دافع عنها معظم الحملات العلمانية، نفرت الناخبين وشكلت أفضل حملة علاقات عامة يمكن لحزب النهضة أن يرغب فيها.فخلال المقابلات التلفزيونية، على سبيل المثال، ركزت الأحزاب العلمانية على التنبؤ بما سيمارسه حزب النهضة من تمييز بين الجنسين، أكثر من تركيزها على مضمون برامجها الخاصة. وفي يوم الانتخابات، كان الناخبون ملمين بمعتقدات حزب النهضة، وليست لديهم أدنى فكرة عن معتقدات الأحزاب العلمانية.
وفي حين فوتت الأحزاب العلمانية فرصتها في التركيز على رسالتها الخاصة في حملاتها الانتخابية، فإن هناك فرصة جديدة في انتظارها، وفي انتظار مؤيديها. ويجب على المعارضة التونسية أن تتخلى الآن عن خطبها النخبوية وغوغائيتها على شاشات التلفزيون والـ"فيسبوك"، لتتمكن من التدقيق في مقترحات حزب النهضة وأدائه بشكل أفضل. ويتعين عليها أن تكون خلاقة في تواصلها مع التونسيين، لغرض توضيح القيم التي أصبحت على المحك.