المواقف تجاه الأحداث التي لا تزال سوريا تشهدها منذ عدة أشهر، تتغير من ساعة لأخرى، وتزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. وأصبحت الأمور في ذلك البلد على درجة من التعقيد، بحيث لم يعد باستطاعة أحد أن ينتشل دمشق من أزمتها السياسية الحالية، الجميع مترددون في أخذ مواقف حاسمة تجاه ما يحدث داخل سوريا.
والبعض يغير من مواقفه يوماً بعد يوم، فيرفع من حدة التصريحات تارة، ثم يخفضها تارة أخرى، حتى أقرب الأصدقاء نجده يتردد أحياناً فيطلق تصريحات مضادة، والوضع داخل سوريا يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بما سيحدث هناك غدا، كما لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يدور في عقل كل طرف من الأطراف هناك، وهذا ما يجعل البعض يتوقع أسوأ السيناريوهات، الموقفان الروسي والصيني يبدوان وكأنهما طواحين للهواء تحدث ضجيجا عاليا لكنها لا تطحن ولا تنجز شيئا على أرض الواقع.
والكثيرون يتساءلون، أما كان من الأجدى والأفضل لموسكو وبكين أن يتدخلا لدى النظام السوري ويجبراه على اتخاذ مواقف فعالة لحقن الدماء، بدلا من تحديهما السافر للمجتمع الدولي، والبعض الآخر يتساءل، أما كان أجدى للأميركيين والأوروبيين أن يضغطوا على المعارضة السورية والمحتجين السوريين ويطلبوا منهم التوقف عن الاحتجاجات، ولو لأيام معدودة حتى يعطوا للحوار فرصة لحل الأزمة، لكل من الطرفين منطقه وحجته، والأزمة تزداد اشتعالا.
وعلى ما يبدو، فإن الشرق الأوسط، يُجَهّز للعالم حالة مستعصية أخرى، إذ تقترب الأوضاع على الجبهة السورية من مرحلة استحالة الخروج منها. فعندما رفضت الدول الغربية تأييد الطلبَ الروسي المتعلق بتضمين قرارِ مجلس الأمن، عبارةً تحول دون تَـدخّـل القوى الأجنبية، لحل الأزمة السياسية الداخلية في ذلك البلد، أصبح واضحا أن الغرب كان يخطط لتكرار السيناريو الليبي للإطاحة بنظام الأسد.
لكن غالبية المحللين يتفقون على حقيقة أن الفرق بين الحالتين ـ الليبيةِ والسورية، شاسع جدا، على الرغم من الشـبَـهَ الظاهري. ذلك أن غالبية العرب، لم يكونوا يُـكنّـون الودّ للقذافي، وحتى من كانوا يتعاملون معه من الغربيين والاسيويين لم يكونوا يثقون فيه، ولهذا كان من السهل على الغرب أن يضمن تأييد الجامعة العربية لمخططاته ضد القذافي ونظامه، وكان على يقين من عدم وجود أي تعاطف مع القذافي في الشارع العربي، الأمر الذي مهد لتدخل الناتو في ليبيا، ليترك الليبيون في ما بعد تحت رحمة المنتصرين الأوروبيين والأميركيين.
أما بالنسبة لسوريا، فالأمر مختلف تماماً، لأن الحديث هنا يدور عن دولة تلعب دوراً رئيسياً في المنطقة، وتقود جبهة الصمود ضد إسرائيل بعد غياب مصر عن هذه الجبهة، ومن المؤكد أن غالبية العرب لا يتمنون أن يروا سوريا تُدار بواسطة حكومة عميلةٍ، تخضع للإملاءات الغربية. ولهذا وجدنا أن غالبية الدول الأعضاء في الجامعة العربية استقبلت بالترحاب الفيتو الروسي والصيني ضد القرار المعد سلفاً من قبل دول أوروبية غربية وأميركا حول سوريا.
ذلك القرار الذي كان في حال إقراره سيطلق يد قوات الناتو الجوية لتطبيق السيناريو الليبي في الأجواء السورية. وتبقى الحقيقة المؤسفة، المتمثلة في أن العرب يثبتون المرة تلو الأخرى أنهم عاجزون عن حل مشاكلهم الداخلية بمعزل عن التدخل الخارجي، هذا التدخل الذي يعلم الجميع أنه يحقق مصالح أطراف أخرى بعيدة عن المنطقة، ولا يحقق للشعوب والدول العربية أية نتائج إيجابية.