يتوقع البعض لتركيا، وهي بلد إسلامي غير عربي ذو توجه إسلامي معتدل، أن تشكل معارضاً بناءً للجهات المتطرفة في المنطقة. وبذلك، تصبح، إلى جانب أندونيسيا، وهي الأخرى بلد إسلامي غير عربي كبير، مثالاً على الدولة الإسلامية المعتدلة والمثيرة للإعجاب. وعلى الرغم من أن تركيا كانت تتطلع في ما مضى نحو الغرب، فإنها خلال السنوات الأخيرة أخذت توسع نطاق اتصالاتها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط. وفي وسط أحداث الربيع العربي، لقي رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان، ترحيباً حاراً باعتباره بطلا للديمقراطية في الدول التي نالت حريتها.
والأمر الذي كان يدعم موقف تركيا كحلالة محتملة للمشكلات في أحد نزاعات المنطقة الأكثر استعصاء، والمتعلق بإقامة دولة فلسطينية، هو العلاقات الطيبة التي كانت تربطها بإسرائيل، بما في ذلك العلاقات الدبلوماسية التي نادراً ما تقام بين دولة يهودية وأخرى إسلامية. ولكن في الأشهر الأخيرة، أصبحت تلك العلاقات متوترة إلى حد كبير، حيث عمدت تركيا إلى طرد السفير الإسرائيلي. والآن، يبدو الأمل بأن تكون تركيا محاورا مفيدا بين المعسكرين الإسرائيلي والفلسطيني، أمراً بعيد المنال.
إن تركيا تخوض الآن حرباً دبلوماسية ضارية ضد إسرائيل، تحركها أجندة من الشكاوى التي يرجح أن تفضي إلى مواجهة بحرية، حيث يسعى الأتراك إلى خرق الحصار البحري الإسرائيلي لقطاع غزة، وتهدد أنقرة باستخدام سفنها الحربية لضمان وصول المساعدات إلى القطاع.
ويأتي كل هذا في وقت غير مناسب على الإطلاق، بالنسبة للرئيس الأميركي باراك أوباما. فهو منهمك في حملة إعادة انتخابه، التي تحتاج إلى دعم وتمويل يهود الولايات المتحدة. وقد أدى رفضه لدعم محاولة الفلسطينيين إجراء تصويت على إقامة دولتهم في الأمم المتحدة، ودعمه القوي لإسرائيل خلال تلك المحاولة، إلى انحدار مكانته في العالم الإسلامي بصورة أكبر.
وفي وقت مبكر من رئاسته، كانت تركيا، فضلاً عن القاهرة، هي المنبر الذي ألقى منه أوباما خطاباً للتواصل مع العالم الإسلامي. وكان الانتقاد الذي أبدته العواصم العربية منذ ذلك الحين، نابعاً من عدم وجود متابعة حقيقية. وفي الوقت الحالي، بعد أن اعترض أوباما على طلب الفلسطينيين للحصول على اعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة، وبعد التزامه بنصرة إسرائيل لمدة سنة انتخابية كاملة، فمن غير المحتمل أن تتحسن شعبيته في العواصم العربية.
إن الرئيس الأميركي باراك أوباما، يدرك بوضوح أهمية المكانة التي يرجح أن تشغلها تركيا وشعبها البالغ تعداده 77 مليون نسمة. وقد كان أردوغان من بين قادة العالم القلائل الذين قرر أوباما عقد اجتماعات معهم، بالتزامن مع دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام في مدينة نيويورك، حيث تلقى نداء جاداً من أوباما لتهدئة المواجهة مع إسرائيل.
ولكن تركيا تستطيع أن تكون مستقلة، فقد تمكنت من مقاومة توسلات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، للسماح للقوات الأميركية بعبور الأراضي التركية عام 2003 من أجل فتح جبهة ثانية في الحرب على العراق. وقد لا يكون من السهل أن يقنعها أوباما بالتخلي عن سياستها الصارمة مع إسرائيل، التي تلقى شعبية واسعة على امتداد العالم العربي.
ذلك أمر مؤسف، إذ إن أردوغان يستحق الثناء على سعيه لتعزيز مزج بلاده بين الإسلام والديمقراطية، لتصبح تركيا مثالا تحتذي به الدول العربية الخارجة حديثاً من الدكتاتورية.