أعرب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في خطابه الافتتاحي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن تحمسه لتغير السلطة في ليبيا، ودعا الأمم المتحدة لتكون يداً واحدة، ليس في إدانة الأنظمة القمعية فحسب، وإنما في التحرك العملي أيضاً.

 ولكن بدا ما أشاد به البعض باعتباره مطالبة بالقيادة، وكأنه أمر عفا عليه الدهر. فقد كان كاميرون في طريقه إلى بلاده، فيما كانت الدبلوماسية البريطانية تواجه أول تحد لها خلال العام الجديد للأمم المتحدة، في موقف يمكن أن يطلق عليه القيادة من الوراء، وهي العبارة التي استخدمت لوصف موقف أميركا في ليبيا. وقد وقعت الحكومة البريطانية في مأزق كانت تأمل ألا تقع فيه.

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في خطابه الذي طال انتظاره أمام الجمعية العامة، أنه قد تقدم بطلب رسمي إلى مجلس الأمن ليتم منح فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة. وتبعه على منصة الجمعية العامة، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يأل جهداً في رفض المطالبة بعضوية فلسطين في الأمم المتحدة، قبل حتى أن يتم النظر فيها.

وتلك المواجهة هي بالضبط ما بذلت بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الدول، قصارى جهدها لتجنبها، حيث كرست الولايات المتحدة الكثير من الوقت والجهد، في إطار سعيها لثني الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تقديم طلبه.

ولم يكن إخفاق مساعيها أمراً مستغرباً، نظراً لأن الحجج التي تم تقديمها، علناً على الأقل، كانت تشير إلى أنه لا يمكن لأي قرار من الأمم المتحدة أن يحل محل إبرام اتفاق مع إسرائيل، وأن أي محاولة استباقية للاعتراف بفلسطين، تهدد بعرقلة محادثات الشرق الأوسط. ومع إعراض تحالف نتنياهو الضعيف عن التفاوض بصورة مستمرة.

وتوقف المحادثات منذ أمد طويل، لم يكن لدى الفلسطينيين الكثير ليخسروه. وبقدر ما يمكن اعتبار التحالف الدولي الذي ساهم في حماية الانتفاضة الليبية مكللاً بالنجاح، مع الإشارة إلى أن الرئيس الليبي معمر القذافي لا يزال طليقاً، فإن الدبلوماسية الغربية التي حاولت إحباط مطالبة الفلسطينيين باعتراف الأمم المتحدة، تمثل فشلاً ذريعاً.

وهو فشل من حيث الممارسة، لأن الولايات المتحدة قد تضطر الآن إلى استخدام حق النقض في سبيل منع الاعتراف، وهو الخيار الذي أرادت تفاديه بشدة، ولأن بريطانيا ستجبر مرة أخرى على الاختيار بين أوروبا والولايات المتحدة، ويبدو أنها، على نحو مربك، تعتزم الامتناع عن التصويت. ويتردد أن بريطانيا رفضت خطة تسوية فرنسية، تهدف إلى منح فلسطين مرتبة دولة غير عضو، كما هي الحال بالنسبة للفاتيكان.

ولكنه فشل أخلاقي أيضاً، ربما من جانب بريطانيا أكثر من أي قوة أخرى. فباعتبارها القوة التي بقيت فلسطين تحت انتدابها لمدة خمسة وعشرين عاماً، التزمت بريطانيا بإنشاء وتعزيز مؤسسات الحكم الذاتي، ولكنها غادرت دون أن تفعل ذلك. وبعد ما يزيد على نصف قرن من الزمان، تعد مساندة تطلعات الفلسطينيين للحصول على اعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة، أقل ما يتعين على بريطانيا القيام به.

وفي الماضي، قال السياسي الإسرائيلي المخضرم أبا إيبان، معبراً عن إحباطه، إن القادة الفلسطينيين لا يفوتون أي فرصة لإهدار الفرص. ولا يمكن قول الشيء نفسه عن محمود عباس، الذي استغل الفرصة وتحدى قادة العالم في نيويورك.

وفي حال قررت الحكومة البريطانية الامتناع عن مساندة عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، فنحن، ويا للعار، من سيلام هذه المرة على إضاعة هذه الفرصة التاريخية.