تنطفئ المصابيح في جميع أنحاء الاقتصاد العالمي، ومن يدري متى سنراها تضاء مرة أخرى! وبدلاً من أن يستشيط من يتولون مقاليد السلطة غضباً بسبب تلاشي الضوء، فإنهم يمضون قدماً، تماماً كما يفعل أبطال فيلم "إجازة في منزل بيرني"، ويسندون الجثث لئلا تتهاوى. ويتمثل محط الاهتمام الرئيسي في كل من برلين وبروكسل وواشنطن في إضفاء مظهر الحياة على الأموات، سواء كانوا عقود ديون ميتة أو أفكاراً عفا عليها الدهر.

ومنذ فترة بسيطة، هبت آخر عاصفة إحصاءات ثلجية من صندوق النقد الدولي، مقتطعة الربع من توقعات النمو الضعيفة التي تم وضعها للاقتصادات الغنية في يونيو الماضي. وكان أداء بريطانيا أسوأ بقليل من ذلك المعدل، مع انحدار أقرب إلى الثلث.

 وقد أوشك صندوق النقد الدولي أكثر من أي وقت مضى، على توجيه إنذار إلى وزير المالية البريطاني جورج أوزبورن، ليقوم بتغيير مسار التخفيضات. دعونا نأمل أن التقارير الأخيرة التي أشارت إلى وصول إنفاق رأس المال الجديد إلى 5 مليارات جنيه استرليني، تبشر باستعداد جديد للاستماع.

غير أن بريطانيا تمثل سمكة صغيرة في المياه العالمية، فهي ربما حكمت الأمواج في يوم ما، ولكنها لا تصنعها الآن. ويتعلق التحول المروع بالاقتصادين اللذين يصنعانها، وهما الولايات المتحدة ومنطقة اليورو. وتفترض التوقعات أن التسوية ستنجح في واشنطن، وأن الأزمة في منطقة اليورو سوف "تحسم".

ومن دون هذه الافتراضات البطولية، يتحول المظهر الرمادي البارد إلى سواد دائم. ويشهد عدد من الدول، ومنها بريطانيا، طفرة أخرى في معدلات البطالة، وقد كان صندوق النقد الدولي صريحاً عندما قال: "قد نرى عما قريب قضية الانحدار المزدوج التي طرحت منذ فترة طويلة، واحدة من بين النتائج".

وفي الولايات المتحدة ينتقد اليمين خطة الرئيس الأميركي أوباما لرفع الضرائب المفروضة على البلوتوقراطيين، لتصل إلى مستوى الضرائب التي يدفعها مساعدوهم.

وفي إطار رفضهم لأي تحليل متزن، يصر اليمينيون على أن أميركا تستطيع أن تسدد قروضها دون الحاجة لفرض أية ضرائب جديدة. وبغض النظر عن أن عجر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان فند الأمل بالحصول على معونات تمويل ذاتي منذ جيل مضى، فإن الادعاء بأن تقديم مكافآت جديدة للأثرياء سيلهمهم بإثراء بقية أبناء بلدهم، لا يزال يحتفظ بتأثيره.

ونظراً لوجود قاعدته في واشنطن، فإن صندوق النقد الدولي نفسه ليس بمنأى عن المعتقدات المحلية. وتقف الديمقراطية اليونانية بأكملها عاجزة، عندما يستخدم صندوق النقد الدولي لا لتسوية الديون فحسب، بل أيضاً ليملي أن ذلك يجب أن يتم عن طريق خفض الإنفاق، وليس رفع الضرائب. وعلاوة على ذلك، فإن الضغط المستمر على سوق العمل المرن.

والذي كان يحظى ببعض الأهمية في الماضي، يؤثر في غير محله هذه المرة، إذ إن تخفيض الأجور لن يساهم في حل مشكلة نجمت أصلاً عن قلة الطلب.

أما في ما يتعلق باقتراح الصندوق الذي أشار إلى أن إحياء جولة مباحثات الدوحة قد يساعد العالم على تجاوز هذه المحنة، فلا بد من الاعتراف بأن ذلك الإيمان القوي مؤثر. ولكن على امتداد نحو عشر سنوات من العيش الرغيد، لم تحقق مباحثات الدوحة إنجازاً واحداً. ومهما كانت المزايا النظرية، فلن ترى أي دولة أن هذه هي اللحظة المناسبة لتعريض صناعاتها لرياح المنافسة الأجنبية.