يقف ما يسمى حتى الآن بــ «عملية السلام في الشرق الأوسط»، مع تهكم متزايد من إخفاقها الذي استمر 18 عاماً، أمام خيارين، أحدهما سيئ والآخر أسوأ. الخيار السيئ هو الذهاب السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة وتقديم طلب ليتم قبولها كدولة عضو. إن حصول فلسطين على تلك الصفة لن يساهم في إزالة مستوطنة واحدة أو حاجز واحد.
أما في حال حصولها على مرتبة دولة بصفة مراقب عبر تصويت من الجمعية العامة، مما سيعطيها الحق في مقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن المستوطنات، وفي حال حكمت المحكمة بعدم شرعية تلك المستوطنات كافة، فستتمكن فلسطين حينها من إزالة الأداة الوحيدة المتبقية لحل المسألة، وهي عمليات مقايضة الأراضي. إذ أن مقايضة الأراضي بمستوطنات غير شرعية لن يكون أمراً ممكناً إلا في حال تمكنت إسرائيل من جعل تلك المستوطنات شرعية. وأي مفاوض مستقبلي سيستطيع فعل ذلك؟
قد يحرض إعلان الدولة الفلسطينية بعض الإسرائيليين على الضغط من أجل اتخاذ تدابير انتقامية من شأنها أن تكون، خلافاً للدولة معلنة، ملموسة بما فيه الكفاية، بما في ذلك إعطاء دفعة قوية لعملية البناء في الكتل الاستيطانية أو ضم وادي الأردن.
إذ يسعى شركاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وراء تمزيق اتفاقيات أوسلو منذ أمد طويل. فبعضهم يريد أن تعلن إسرائيل سيادتها على كامل الأراضي الفلسطينية. والبعض الآخر يريد الانتقام من الأشخاص الذين دربتهم الولايات المتحدة للحفاظ على الأمن في الضفة الغربية.
وعندما قال مايكل أورين، السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة، إن بلاده لديها العديد من الاتفاقيات مع السلطة الفلسطينية ولكن ليست لديها اتفاقية واحدة مع «حكومة فلسطين»، اعتبرت تصريحاته تهديداً للاتفاقيات التي تعتمد عليها ألوف الأسر الفلسطينية، لا سيما اتفاقية تحويل الأموال التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية. كل هذه الفوضى بسبب ماذا؟ دولة افتراضية؟ ومن جهة أخرى، فإن عدم الذهاب إلى الأمم المتحدة يشكل خياراً أسوأ.
وقد وضح ذلك المسئول الفلسطيني البارز نبيل شعث. حيث كشف أن «الحل الوسط» الذي تم الضغط عليهم للتوقيع عليه والذي وضعه توني بلير، ممثل اللجنة الرباعية، يدعو الفلسطينيين إلى القبول بنمو المستوطنات الإسرائيلية، والقبول بإسرائيل دولة يهودية، وتمزيق الاتفاق مع حماس. ومن شأن النقطة الأولى أن تجعل من إجراء أي مفاوضات حقيقية حول مقايضة الأراضي أمراً مستحيلاً.
والثانية ستنهي مسبقاً أي نقاش بشأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين وستلقي بعرب 1948 إلى العراء. أما النقطة الثالثة فستقود إلى استئناف الصراع مع حماس. وذلك كله قبل البدء بأي نقاش مع نتنياهو. وقد كان شعث محقاً حين قال: بدا بلير أشبه ما يكون بدبلوماسي إسرائيلي أكثر من كونه شخصاً محايداً.
ستبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لتجنب استخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي، لأنها في حال فعلت ذلك، ستكون بذلك قد اعترضت على سياستها. غير أن الأمر أسوأ من ذلك. فلن تستطيع واشنطن فعل الكثير لضمان معاقبة الرئيس الفلسطيني محمود عباس دون إضعاف كل بناء حاول تشييده في الضفة الغربية. وهي تريد إبقاء رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في منصبه. فهل تشجعه على البقاء من خلال قطع أمواله؟ وإذا كانت هذه الطريقة غير ناجحة، فما هي الطريقة الناجحة؟
لقد ذكر الرئيس الأميركي باراك أوباما في اثنين من خطبه أن أميركا ستستخدم حق النقض ضد أي محاولة من جانب لأمم المتحدة، ومحمود عباس يتحداه. ويذكرنا هذا الموقف بما حصل بشأن تقرير «غولدستون»، عندما أرغم محمود عباس على التخلي عن دعمه لتقرير عمد إلى انتقاد الحرب على غزة. إن رياحاً جديدة تهب على منطقة الشرق الأوسط، ولا تزال الولايات المتحدة بحاجة لأن تتصالح مع هذه الرياح.