كانت زيارة رجب طيب أردوغان إلى القاهرة مؤخرا، هي الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء تركي إلى مصر منذ 15 عاما، وتزامنت مع تدهور خطير للعلاقات بين مصر وإسرائيل، كما أن العلاقات بين أنقرة وتل أبيب هي الآن في أسوأ حالاتها.
وكان رئيس الوزراء التركي قد صرّح قبيل زيارته، بأن بوارج البحرية التركية سترافق السفن المدنية التي تحمل المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، الأمر الذي اعتبره البعض تهديدا صريحا لإسرائيل. ففي العام الفائت اعترضت إسرائيل "أسطول الحرية"، الذي كان في طريقه إلى غزة حاملا المساعدات والمؤيدين والمناصرين لحقوق الشعب الفلسطيني.
وشنت القوات العسكرية الإسرائيلية هجوما على سفن الأسطول، ما أدى إلى مقتل تسعة من المواطنين الأتراك المتعاطفين مع الفلسطينيين، ومنذ ذلك الوقت لوحظت برودة في العلاقات بين البلدين، وتصعيد في التصريحات الحادة المتبادلة.
وتأتي زيارة أردوغان لمصر في هذا التوقيت، بينما الشارع المصري منتفض ضد إسرائيل ويطالب بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد معها، وقد قيل إن أردوغان سيقوم خلال جولته هذه بزيارة قطاع غزة، الأمر الذي تم نفيه فيما بعد. ومع ذلك لفت الخبراء إلى أن فكرة الزيارة نوقشت على أعلى المستويات في أنقرة، ما يدل على أهميتها.
ويذكر أن أنقرة والقاهرة كانتا حتى عهد قريب، الصديقتين الرئيسيتين لتل أبيب في المنطقة. لقد سعت القاهرة للعب دور صانع السلام الأساسي في الشرق الأوسط، إلا أن الصورة تغيرت تماماً بعد خلع حسني مبارك، فالمتظاهرون أخذوا يطالبون بقطع العلاقات مع تل أبيب. وفي نهاية الأسبوع الفائت، تمكنت جموع من القاهريين من اقتحام مبنى السفارة الإسرائيلية، وأسقطوا العلم الإسرائيلي.
لقد تغير الموقف في الشرق الأوسط جذرياً في الآونة الأخيرة، حيث تعبر أنقرة بمزيد من الثقة عن حقها في موقع القوة القائدة في المنطقة. وأدت تصريحات أردوغان أثناء حادثة "أسطول الحرية"، إلى اكتسابه احترام "الشارع العربي". وكان قد عبّر في خطبته التي ألقاها بعد فوزه بالانتخابات التي جرت في شهر يوليو الماضي، عن نيته تطوير علاقات تركيا مع العالم الإسلامي.
إن تصرفات أنقرة في ظل ميزان القوى في الشرق الأوسط تبدو منطقية، بل ومدروسة بدقة. فتركيا من جهة عضو في حلف شمال الأطلسي وتطمح للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومن جهة ثانية نجد أن جذور حزب العدالة والتنمية الحاكم تعود إلى الإسلام السياسي.
ويحاول الأصوليون ركوب أحداث "الربيع العربي"، غير أن راديكاليتهم اليوم لا تلقى رواجا. وبالنسبة لأولئك الذين يتطلعون إلى التغيير، بوسع تركيا الناجحة اقتصاديا أن تكون نموذجا يقتدى به، وحليفا أكثر جاذبية بكثير من إيران، على سبيل المثال. ولم يكن من باب الصدف أن إحدى أهم وقائع زيارة أردوغان للعاصمة المصرية، هي كلمته في جامعة القاهرة، حيث ألقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما قبل عامين كلمة عرض فيها رؤيته للعلاقات مع العالم العربي..
وها هو رجب طيب أردوغان يعتلي المنبر نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن وفدا من رجال الأعمال الأتراك رافقه في جولته، التي شملت كلا من مصر وتونس وليبيا. إن الهجوم الدبلوماسي يسير جنبا إلى جنب مع الاتفاق على عقود مربحة.
ومن الجلي أن ذلك يتصف بأهمية بالغة بالنسبة لليبيا التي تنتظرها أعمال واسعة النطاق، لإعادة الإعمار بعد العمليات العسكرية. تركيا لا تتهور، وتسير بخطى هادئة ومحسوبة، ولا تتعمد الصدام، ولا تعتزم شطب تحالفاتها القديمة، فواشنطن تنتظر زيارة أردوغان أواخر هذا الأسبوع. وهذا يعطي جدية أكبر ومصداقية أكثر لتحركاتها، إقليميا ودوليا.