استضاف كل من رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وهما قائدا أكبر إمبراطوريتين استعماريتين سابقتين، مؤتمر قمة رفيع المستوى في باريس، ترحيباً بانضمام الثوار الليبيين إلى المجتمع الدولي. وقد عقد المؤتمر في الذكرى الأربعين لتولي العقيد معمر القذافي الحكم في ليبيا.
أخيراً، تصالحت الإمبراطوريتان الاستعماريتان السابقتان مع أحد خصومهما، الذي قاتل بضراوة في سبيل تفكيك الإمبراطوريات الاستعمارية التي فرضها الغرب سابقاً على دول العالم الثالث.
يا لها من مفارقة تاريخية غريبة! فمنذ اثنين وأربعين عاماً، اعتبر الشعب الليبي معمر القذافي بطلاً قومياً، بعد قيادته للانقلاب الذي أنهى السيطرة الاستعمارية في ليبيا، وما أن تسلم القذافي السلطة، حتى عمد إلى إغلاق القاعدة العسكرية الأميركية في ليبيا. اليوم، تمت الإطاحة بالقذافي، المناضل السابق ضد الاستعمار الغربي في سبيل استقلال ليبيا، على يد شعبه، مع دعم عسكري من القوى الاستعمارية السابقة!
الرئيس الأميركي باراك أوباما، ربما اكتشف سياسة جديدة في تعامله مع الموقف الليبي، حيث وجد مجموعة من الثوار المسلحين، مما قدم ذريعة شرعية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي للمسارعة في التدخل. وهذه المرة، لم تذهب الولايات المتحدة للقتال بمفردها، كما فعلت في العراق، بل اصطحبت مجموعة من الحلفاء. وبفضل قوتها العسكرية، نجحت الدول المتحالفة في تغيير النظام.
في الحقيقة، تحارب الدول الغربية في ليبيا خشية أن تسلبها الصين القارة السوداء، وقد وجدت تلك الدول في نظام القذافي فرصة ذهبية لتقاتل وتسترجع هيمنتها السابقة على إفريقيا. أولاً، ليبيا غنية بالنفط، والعائدات المحتملة من خوض مغامرة عسكرية على أرضها ستكون ضخمة. ثانياً، لم يكن القذافي على قدر كبير من القوة، نظراً للعداوات القائمة بينه وبين عدد من جيرانه من الدول العربية.
ولعدم وجود قوة كبيرة تناصره في الأمم المتحدة. والأهم من ذلك، تدير الصين حالياً سلسلة من الاستثمارات الضخمة والعديد من مشاريع البناء الجارية في ليبيا، وقد أدت العمليات العسكرية التي شنها حلف شمال الأطلسي في ليبيا، إلى توقف الأنشطة الاقتصادية الصينية في المنطقة.
وفي غيرها من المناطق الإفريقية. لن تتمكن الدول الغربية من السيطرة على السوق بعد الآن، ولكن مع وجودها العسكري في ليبيا، ستنجح الشركات الفرنسية والبريطانية والأميركية، في الحصول على عقود ليبية مربحة في مجالي النفط وإعادة الإعمار. يا لها من سياسة تجارية ناجحة، حيث عملت طائرات الحلف على تدمير البنية التحتية، لتساهم شركات من دول الحلف نفسه في إعادة بنائها، وكل شيء بثمنه!
وقد أشار رئيس الوزراء البريطاني ومسؤولون من حلف شمال الاطلسي، إلى أن عملياتهم العسكرية ستستمر في سبيل حماية المدنيين. لقد جاؤوا بطائراتهم وصواريخهم لحماية المدنيين، وسيواصلون استخدام الحجة ذاتها للبقاء في ليبيا حتى تتم تلبية مطالبهم. ولطالما تساءلنا: كيف يمكن لشخص أن يقصف المدن في سبيل حماية المدنيين؟
مع وجود قوات الحلف العسكرية في ليبيا، لن تكون ليبيا سيدة نفسها بعد الآن. في الواقع، إن مشكلة ليبيا لم تنته بعد، بل بدأت لتوها. ويقول أحد الأمثال الصينية: من السهل أن تدعو الشيطان إلى منزلك، ولكن التخلص منه سيكون صعباً. لقد أدخلت ليبيا حلف شمال الأطلسي إلى أراضيها، ولن تتمكن من إخراجه بسهولة.
يتعين على دول العالم الثالث أن تراقب عن كثب ما يحدث في ليبيا، وعليها أن تحذر من أي قوى خارجية تحاول استغلال نزاعاتها المحلية، وتسعى لتحويلها إلى بيادق لمصلحة شعوب أخرى. وفي الوقت الحالي، لا تملك شعوب العالم الثالث إلا أن تضحي بدمائها، لمجرد أن شخصاً ما ينوي الاستيلاء على ممتلكاتها.. أليست هذه هي الطريقة التي بدأ بها الاستعمار؟