لأكثر من 40 عاماً، ظل العقيد معمر القذافي يهيمن على ليبيا ويرهبها، وظلت صوره شاخصة على كل جدار وعملاؤه قابعون عند كل زاوية. وبعد اقتحام الثوار لطرابلس وسيطرتهم عليها، بما في ذلك معقل القذافي: باب العزيزية، توارى الرئيس الليبي فجأة عن الأنظار، وبدأ نظامه يتهاوى بسرعة لم تكن متوقعة.

وربما لا يزال هناك المزيد من اللحظات المظلمة في انتظار الليبيين الذين أذهلونا بشجاعتهم، وشقوا طريقهم بجسارة وصولاً إلى العاصمة. فهؤلاء الثوار ـ بملابسهم الرثة وأسلحتهم وبراعاتهم المتواضعة في القتال ـ أظهروا عزيمة استثنائية وقدرة فائقة على التكيف. ونحن نحضّهم اليوم على التحلي بضبط النفس في هذه الساعات الأخيرة، واحترام كل الليبيين في الأيام والأشهر المقبلة. فلقد وعدوا ببناء ليبيا ديمقراطية، وعليهم أن يفوا بذلك الوعد.

لا شك أن الثوار ما كان لهم أن يحققوا ما حققوه لولا حملة الناتو الجوية، والدعم السياسي من الرئيس أوباما، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون. وعندما أعلن المنتقدون في واشنطن وعواصم أخرى، أن ليبيا تحولت إلى مستنقع آخر، رفض أولئك الزعماء التراجع.

ولقد تحسنت إمكانيات قوات الثوار، بفضل نصائح القوات الخاصة البريطانية والفرنسية والإيطالية، والأسلحة المرسلة من فرنسا وقطر. وضربات الناتو على القوات الليبية ومراكز القيادة العسكرية، ألحقت بها أضراراً بالغة، كما أن الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية الدولية، ضيقت الخناق على حكومة القذافي.

وبدا في بعض الأحيان أنه كان على الولايات المتحدة وأوروبا أن تكرس المزيد من الموارد لهذه الحملة، لكن أوباما اتخذ القرار الصائب عندما ترك زمام القيادة لأوروبا. وستحتاج ليبيا في الأشهر المقبلة إلى المزيد من الدعم، وإلى المراقبة المتيقظة والتوجيه الدائم، فأمامها تحديات هائلة في مهمة بناء بلد جديد ينعم بالديمقراطية والاستقرار. ولقد ناضلت القيادة الرئيسية للثوار، لتأمين إخضاع بعض المناطق لسيطرتها، ويجب أن تصرح بوضوح أنها لن تتساهل مع أية أعمال انتقام ضد الموالين للقذافي الذين يسلمون أنفسهم. وعندما يتم العثور على العقيد القذافي، يجب تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية لمواجهة العدالة.

ليس هناك العديد من الوجوه المعروفة في قيادات الثوار، لكن من غير الواضح ما إذا كان أي منهم لديه المكانة أو المهارة الكافية لتوحيد البلد. ويعاني المجلس الوطني الانتقالي للثوار، ومجلسهم العسكري أيضاً، من انقسامات قبلية وعرقية، ويجب عليه أن يمد يد التواصل بسرعة إلى مختلف الجماعات والقبائل، وأن يضمن تمثيل كل الليبيين في صفوفه. وسيتعين عليه أيضاً التحرك بسرعة، لصياغة خطة لاستعادة الأمن العام والكهرباء والخدمات الأساسية الأخرى، ووضع إطار زمني معقول لإجراء انتخابات ديمقراطية.

وكما تعلمنا من الدروس التي كانت تكلفتها باهظة في العراق، فإن جميع الأطراف يجب أن يكون لها دور في بناء نظام سياسي جديد، وإلا فسوف تلجأ الفئات المستبعدة إلى العنف. ويجب أن تجري عملية صنع القرار ـ بما في ذلك القرارات المتعلقة بإعادة تشغيل آبار النفط المتضررة وتقاسم عائدات النفط ـ بمنتهى الشفافية. ويمكن لقادة العالم دعم هذه التوجهات، عن طريق المجاهرة بالحديث عنها بكل وضوح. ولقد حذر الرئيس أوباما الثوار من أن "العدالة الحقيقية لن تأتي من أعمال الانتقام والعنف". وفي هذا السياق تجب إدارة عملية الإفراج عن الأصول الليبية المجمدة، ورفع العقوبات الاقتصادية بدقة بالغة.

وستكون مهمة بناء مستقبل ليبيا على عاتق الليبيين أنفسهم، ومن المفترض أن يكون انتصار الثوار ـ إذا تبعته الديمقراطية التي وعدوا بها ـ مصدر إلهام للآخرين، للإيمان بأن المعركة تستحق التضحيات المبذولة من أجلها. وبذلك لن يكون أي حاكم مستبد، مهما كان وحشياً، معصوماً عن الهزيمة.