بغض النظر عما ستؤول إليه أحداث المرحلة النهائية المحيرة من الصراع الليبي، فإن ما حدث في الأيام الماضية أثار علامات استفهام مقلقة حول مدى كفاءة وموثوقية ائتلاف الثوار، الذي يستعد لتسلم زمام السلطة بعد العقيد معمر القذافي. ربما كان مبرراً، أثناء احتدام المعركة، ادعاء الثوار تمكنهم من فرض سيطرة على طرابلس تفوق حجم سيطرتهم الفعلية، إلا أن إعلان المجلس الوطني الانتقالي الليبي عن اعتقاله نجل القذافي الثاني، سيف الإسلام، ليظهر الرجل بعد ساعات قليلة وهو يتبجح بحريته أمام صحفيين من مختلف أنحاء العالم، أضعف الثقة بالمعارضة الليبية، التي ادعت أنها تشكل حكومة ليبيا البديلة، وباشرت التفاوض مع كبير ممثلي الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية حول نقل سيف الإسلام إلى لاهاي.
ربما كان الأمر مجرد كذبة، وربما كان إشارة إلى أن نصف الثوار لا يعلم ما يفعله النصف الآخر، أو ربما كان الثوار شديدي التساهل لدرجة أنهم أمسكوا بضالتهم ثم سمحوا لها بالهروب. وأياً كانت الحقيقة، فإن ذلك الادعاء يقوض الثقة في قدراتهم.
إن التصريحات التي أشارت إلى أن المسألة "مسألة وقت فحسب" قبل سقوط العقيد القذافي، حادت عن الصواب. إن سقوط دكتاتور ما لا يمثل نهاية القصة، وهو ما أثبته العراق بصورة مروعة. إن التخوف من سيادة التحزب في ليبيا له دواعيه، إذ توجد خلافات قبلية ونزاعات قديمة بين الثوار أنفسهم، وهو ما أظهره حادث اغتيال قائد الثوار اللواء عبد الفتاح يونس، على يد جهات تابعة للثورة في ظروف غامضة، وذلك بعد أن تم استدعاؤه إلى جلسة استماع شبه قضائية "لاستجوابه بشأن قضايا عسكرية". وحتى الآن، فإنه ليس من الواضح ما إذا كان غرب ليبيا سيقبل بشكل كامل السلطة القضائية التابعة للجنة المفاوضات التجارية.
مع انهيار نظام القذافي، يواجه خلفه مهمة صعبة، إذ يجب إحلال النظام والقانون للحيلولة دون وقوع حوادث سرقة ونهب، كتلك التي وقعت في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين. كما يجب القبض على القذافي حتى لا يتمكن من حشد المعارضين. ويتعين على معارضي النظام الموجودين في غرب ليبيا، أن ينخرطوا في هذه العملية السياسية الانتقالية الشاملة. ولا بد من استرجاع وإصلاح الخدمات الأساسية كالكهرباء، وتفعيل إنتاج النفط الليبي لدفع عجلة الاقتصاد وإطلاقها من جديد. ويجب أن يتلو ذلك إصلاح دستوري، وقضائي، وانتخابات محلية ووطنية، وإحياءٌ للمنظمات المدنية الاجتماعية، فضلاً عن خطة بعيدة المدى لتطوير الاقتصاد وتنويعه، بعيداً عن اعتماده الكلي على النفط.
لن يحدث أي من ذلك دون إدارة أكثر تماسكاً، فبدونها قد تخلف الأحزاب المتصارعة فراغاً في السلطة، يكون عرضة لأن يشغله ديكتاتور آخر، إما علماني أو إسلامي متشدد. حتى الآن، لم يظهر المتطرفون الإسلاميون بشكل كبير في المشهد الليبي، على الرغم من أن احتمال مقتل اللواء يونس على يد إسلاميين منضوين تحت جناح قوات المعارضة المسلحة، يبدو أكثر رجاحة من احتمال مقتله على يد قوات موالية للقذافي. وفي المرحلة الحالية، من المهم جداً ألا تختطف الثورة الليبية على يد عناصر متشددة أو قبلية قوية. لا بد من أن تتطور المرحلة الابتدائية للثورة، إلى عملية انتقالية تقود إلى حكومة جيدة، وعدالة اجتماعية، ونمو اقتصادي يستفيد منه الشعب الليبي برمته. إن لحظة سقوط القذافي، عندما تحين، لن تكون بداية النهاية، بل فقط نهاية البداية.