بينما يترقب الغرب نوبة جديدة من الانهيار المالي، ربما يبدو ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في موقع يؤهله للارتقاء فوق الذعر المستشري في الأسواق، أو حتى لاستخدام ثروته لإنقاذ دول العالم الثري. في الظاهر، يبدو أن الصين لديها أسباب عديدة تدعوها للارتياح، ففي النصف الأول من هذه السنة، سجلت نمواً بمعدل 9.5%.

وارتفعت صادراتها بنسبة 24% عما كانت عليه في نفس الفترة من العام الماضي. ولدى الصين احتياطي هائل من النقد الأجنبي يقدر بثلاثة تريليونات دولار، حتى أصبحت بمقام مقرض الملاذ الأخير للإدارة الأمريكية. في هذه الأثناء، كفت الحكومات الأجنبية عن انتقاد سجل الصين في حقوق الإنسان، كما علقت هيلاري كلينتون: "كيف يمكنك أن تتحدث بنبرة أكثر صلابة مع البنك الذي يمولك؟".

وبالطبع فإن فكرة أن يهب بلد فيه مئات الملايين من الفقراء لإنقاذ الغرب، تنطوي، كما يبدو، على مفارقة غريبة. لكن صعود نجم الصين قد ألهب التوقعات أنها مستعدة، بحسب تعبير رئيس البنك الدولي روبرت زوليك، لتكون "لاعباً مسؤولا"، وللعب دورها بالكامل في المساعدة على إخراج الاقتصاد العالمي من المأزق الراهن.

وبالتأكيد، فإن زعماء الصين عبروا بوضوح عن رفضهم تبذير الغرب، وهم يراقبون عن كثب فشل إدارة أوباما والحكومات الأوروبية في ترتيب بيتهم الداخلي. ولكم سرّهم أن يغتنموا هذه الفرصة، لتسليط الضوء على الطريقة التي استطاعت بها جمهوريتهم الشعبية استعادة معدلات نموها القوية، في أعقاب التراجع القصير الذي شهده اقتصادها نهاية 2008.

ومع هذا كله، فإن الحقيقية المؤلمة أن الصين تجد نفسها الآن مكبلة بسلسلة من القيود التي تعيق قدرتها ـ أو رغبتها ـ في لعب الدور العالمي الذي يناسب ثقلها الاقتصادي. وهذا، إلى حد ما، يعود لطبيعة العالم من حولها، فبكين تودّ أن تقلص حجم أصولها من السندات الأمريكية، نظرا للأداء الكئيب للدولار. لكن الصينيين ليسوا معجبين أبداً بالإدارة المالية لمنطقة اليورو.

وليس هناك أي سوق عملة أخرى يمكنه امتصاص الفوائض الهائلة التي تستثمرها الصين في السندات. الصين تمتلك أموالاً طائلة، لدرجة أن احتياطياتها النقدية تكفي، بحسب التقديرات، لشراء إيطاليا بأكملها. وأكثر من ذلك أن زعماء بكين أنفسهم تحدثوا خلال زياراتهم الأوروبية الأخيرة، عن شراء سندات في الدول المتوسطية المنكوبة، لكن المبالغ التي وضعوها على الطاولة صغيرة. والاستثمارات الصينية في أوروبا لاتزال هامشية، بالمقارنة بالمبالغ التي تنفقها بكين في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية أو أستراليا.

ومن ناحية أخرى، فإن الصين لديها مشاكلها الخاصة أيضاً، فمنذ أن انتشلت نفسها من المطبّ الاقتصادي في 2008-2009، عن طريق ضخ 1.3 تريليون دولار على برنامج للتسليف والإنفاق على البنية التحتية، يخشى البيروقراطيون في بكين من أمرين:

الأول أن تؤدي تأثيرات ذلك البرنامج، إلى جانب الضغط المتزايد على السلع الغذائية وارتفاع الأجور، إلى إحداث تضخم شديد. والثاني أن ينخفض طلب الغرب على الصادرات الصينية، بسبب الركود في الاقتصاد العالمي.

ومع اقتراب الحزب الشيوعي من موعد إجراء تغييرات شاملة في قياداته على أعلى المستويات في خريف 2012، يصبح من أهم أهداف الحكومة خفض التضخم من 6% إلى 4% لتفادي استثارة غضب الجماهير. لكن هناك علامات استفهام كبيرة حول مدى قدرة الصين على القيام بذلك، نظراً لكونها عالقة بين المطرقة والسندان. فهي تريد درء التضخم لأسباب اقتصادية وأخرى لها علاقة بالاستقرار الاجتماعي. لكن في الوقت نفسه، فإنها بحاجة إلى أسواق الصادرات للحفاظ على زخمها الاقتصادي، في وقت تقع فيه فاتورة وارداتها تحت رحمة أسعار السلع.