أثار القذافي ضده كلا من المجتمع الدولي والعالم العربي معا، ولم يكن أبدا كما ادعى زعيما للعالم العربي، ولو أنه أراد ذلك وسعى لهذا مرارا وتكرارا، لكن مساعيه كانت مرفوضة من الجميع وكانت تقابل بسخرية.

وقد اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1973 تحت تأثير جامعة الدول العربية وبدعوى مباشرة منها للتدخل لوقف حمام الدم الليبي ووقف اضطهاد القذافي لشعبه،، وعلى ما يبدو أنه لم تكن للولايات المتحدة الأميركية رغبة كبيرة في التورط بحرب جديدة. وهذا ما يفسر أيضا موقف كل من روسيا والصين، اللتين سمحتا بتمرير القرار تماشيا مع مواقف العرب.

واليوم وبعد سقوط نظام العقيد يتحدث الساسة والخبراء عن مستقبل ليبيا.

والآن بعد أن حسمت المعركة لصالح الثوار الليبيين بمساعدة مباشرة من قوات حلف الناتو، بدأ الكلام عمن ستكون له الأفضلية الاقتصادية في ليبيا الجديدة، خاصة في قطاع الصناعة النفطية. وظهرت أحكام مفادها ان أمام روسيا بخلاف الدول الغربية والاوروبية منها، في المقام الأول حظوظا ضعيفة فيما يتعلق بإعادة علاقاتها التجارية والاقتصادية مع ليبيا الى مستواها السابق قبل الحرب. ونعتقد أن تلك الأحكام سابقة لأوانها، بغض النظر عمن يطلقها.

وإن بناء التوقعات على أرضية لا تزال ساخنة لأمر مشكوك في صحته. فالثوار لا يزالون في نشوة انتصارهم، وليس لديهم بعد الحكومة التي يجب أن تعمل على حل مسائل التعاون الاقتصادي ورسم السياسة الخارجية عامة.

واذا قيمت الحكومة المقبلة الوضع بشكل جدي، فلن يكون ثمة من سبب لقطع ذاك التعاون مع روسيا، خاصة لو نظروا لمبدأ المصالح المشتركة، وأيضا لو نظروا لفكرة سمعة ليبيا وحرية القرار فيها، وأيضا لو نظروا لتجربة العراق الذي مازال يؤخذ عليه ولاء الحاكمين هناك للغرب وواشنطن أكثر من ولائهم للشعب والوطن، والقول إن موقف روسيا الرسمي تجاه القذافي ونظامه كان أقل حزما وصلابة من مواقف اميركا وفرنسا وايطاليا، قول يجافي الحقيقة.

فمع أن روسيا تبتعد بالعادة عن «المواقف الحادة» تجاه العالم العربي، كان موقفها بخصوص الأزمة الليبية في نسق واحد مع بلدان «الثمانية» الكبار. فقد أيدت روسيا «الربيع العربي»، ووقعت على الوثيقة، التي نبهت فيها مجموعة «الثمانية» سورية إلى ضرورة الإصلاحات. وتضامنت روسيا مع أعضاء هذه المجموعة في أن على القذافي أن يستقيل. والأكثر من ذلك، أن روسيا قبلت اقتراحا للتوسط بين المتمردين والحكومة الرسمية في ليبيا، الأمر الذي تجسد في تكليف من قبل الرئيس الروسي بزيارة لمبعوث خاص إلى بنغازي وطرابلس في يونيو.

وقد أدرك المبعوث أن تصلب كل من الطرفين كبير جدا. غير أن معارضين نافذين أكدوا له أثناء لقاءاته معهم في بنغازي على كافة المستويات أنهم سيحافظون على جميع العقود والاتفاقيات الاقتصادية مع روسيا في حال وصولهم إلى السلطة. وإن روسيا ستعود إلى شمال أفريقيا على أساس المنفعة المتبادلة حصرا. وحتى عقود ما قبل الحرب تم توقيعها على هذا الأساس تحديدا.

والحكومة الجديدة في ليبيا ستجد نفسها في ظروف تجعل من الحيوي بالنسبة لها، أن تأخذ بالحسبان نفقات ونتائج النشاط الاقتصادي، لا مساهمة هذا البلد أو ذاك في تحقيق النصر على القذافي. وهذا ما كان عليه الأمر بالنسبة للسلطات العراقية، التي أعلنت عن مناقصات لاستثمار حقول النفط، حيث نالت الشركات الروسية حصة ليست الأخيرة، علما بأن روسيا كانت بين الذين، وقفوا ضد عدوان الولايات المتحدة الأميركية على العراق.