ساهمت الغارات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي في سقوط القذافي، ولكن وراء الكواليس، لفت ضعف القدرات العسكرية الأوروبية وزعاماتها، انتباه الولايات المتحدة إلى مشكلات تتعلق بأقوى تحالفاتها، وبالتخفيضات الدفاعية المقبلة.

ستتم إعادة إحياء مناقشات العجز الأميركي عند عودة الكونغرس هذا الشهر، ولكن هذه المرة مع تركيز كبير على التخفيضات العسكرية. ونظرا لأن أمن الولايات المتحدة لا يعتمد على تقييم الخصوم المحتملين فحسب، بل أيضا على تقييم الأصدقاء الذين يمكن الاعتماد عليهم، فقد حان الوقت لبحث دور أوروبا في إخراج الزعيم الليبي معمر القذافي من وكره. لم يشارك في الغارات الجوية التي شنها "ناتو" على قوات القذافي، سوى حفنة من الدول الأوروبية.

 وحتى الدول المشاركة اضطرت لطلب مساعدة إضافية من البنتاغون، وكانت الحملة الليبية أول عمل يقوم به الحلف دون قيادة الولايات المتحدة. لقد امتنع عدد كبير من دول الحلف الأوروبية، البالغ عددها 26 دولة، عن المشاركة في المعركة التي دامت أكثر من خمسة أشهر، إما لأنهم كانوا غير راغبين في المشاركة المباشرة، مثل ألمانيا، أو لأن التخفيضات الدفاعية الأخيرة جعلتهم عاجزين عن المشاركة، وهو حال معظم تلك الدول. وبعبارة أخرى، كان أداء أوروبا جيداً بما يكفي لتدعيم النصر الذي حققه الثوار بشق الأنفس، غير أن هذا الأداء فتح عيون واشنطن على ضعف أبرز شراكاتها العسكرية.

ويتعين على أعضاء الكونغرس، أو اللجنة العليا المؤلفة من 12 مشرّعاً والمكلفة بخفض العجز، أن يأخذوا بعين الاعتبار مستقبل حلف الناتو المتزعزع، عندما يفكرون في اقتطاع تريليون دولار من ميزانية البنتاغون على مدى العقد المقبل. إن مناشدة أميركا لأوروبا منذ فترة طويلة لزيادة الإنفاق الدفاعي، ذهبت أدراج الرياح. والآن يتوقع لأزمة الديون التي تعاني منها القارة الأوروبية، أن تؤدي إلى مزيد من التخفيضات، مما سيضعف مساهمتها في دعم القوات الأميركية في أفغانستان.

وقد حاول وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس، أن يجعل الأمر يبدو وكأن الولايات المتحدة تساعد نفسها على أفضل وجه، من خلال "مساعدة الآخرين على الدفاع عن أنفسهم"، إلا أن ذلك لم ينطل على أوروبا.

وفي الوقت الحالي، تتعاون الولايات المتحدة وأوروبا على بناء درع للحماية ضد انتشار الصواريخ البالستية بعيدة المدى الخاصة بإيران، ويتوقع لذلك المشروع أن يكتمل بحلول 2015. ولكن حتى تلك الجهود المشتركة، في حالة تذبذب مستمر نتيجة لوجود منافسات داخل حلف شمال الأطلسي، على المال والتكنولوجيا.

لا عجب أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تتطلع لتدعيم تحالفاتها العسكرية في آسيا، حتى مع فيتنام التي كانت خصماً لها في يوم من الأيام. ولكن تلك التحالفات تعد ثنائية إلى حد كبير، وليست إقليمية. ويحتاج الكونغرس إلى إجماع بشأن الدور المناسب لأميركا وحلفائها على الصعيد العالمي، قبل الإجماع بشأن مستوى الإنفاق الدفاعي. وقد تضطر الولايات المتحدة لاتخاذ قرارات صعبة في ما يتعلق بتحالفاتها الأمنية، نظراً للصراعات الداخلية التي شهدتها أوروبا خلال الحملة الليبية، فضلاً عن مناقشات الإنفاق الدفاعي الجارية في واشنطن.

ويمكن لواشنطن، على سبيل المثال، أن تقبل بتحالف ضعيف مع أوروبا، وأن تعوض ذلك بعقد تحالفات مع قوى أقل شأنا، مثل الهند والبرازيل. ويمكنها أن تقلص هيمنتها البحرية في آسيا، على أمل أن تتمكن اليابان والهند وأستراليا وإندونيسيا وغيرها، من منع الصين من السيطرة على بحار المنطقة. كما يمكنها أن تدفع اليابان وكوريا الجنوبية، للمساهمة بشكل رئيسي في ردع عدوان كوريا الشمالية. قد تكون الهيمنة الأميركية العالمية أوشكت على نهايتها، ويعود ذلك جزئياً لتطلعها الدائب إلى نظام دفاعي موحد يحفظ أمن العالم.. ولكن ما حجم المشاركة الدفاعية التي تطمح أميركا لتحقيقها؟