من الواضح أن تركيا تسعى بجدية إلى تكريس وجودها في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها قوة إقليمية فعالة، حيث لم تترك الحكومة التركية الحالية أي قضية في المنطقة إلا وتدخلت فيها، وعبرت عن موقفها صراحة تجاه الأحداث التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الثورات الشعبية في العديد من دول المنطقة.
ولا تكف الدبلوماسية التركية النشيطة عن جولاتها في المنطقة وزيارة كبرى الدول المحورية، وقد زار وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو دمشق في 9 أغسطس.
حيث سلم رسالة "شديدة اللهجة" إلى الرئيس السوري بشار الأسد، تضمنت دعوة لوقف العمليات العسكرية ضد السكان المدنيين فورا، وتحديد موعد لإجراء انتخابات برلمانية حرة.
وجاء في الرسالة أن أنقرة ستضطر إلى إعلان الرئيس السوري فاقداً للشرعية، في حال عدم إصغاء السلطات السورية لتلك المقترحات. ويلاحظ الخبراء أن أنقرة لم تسمح لنفسها سابقا بمخاطبة سوريا بمثل تلك اللهجة.
من جانبه أعلن الرئيس التركي، أن أنقرة مستعدة لأخذ دور القيادة الإقليمية على عاتقها، حيث قال إن بلاده تتمتع بنظام سياسي يؤهلها من وجهتي النظر التاريخية والجغرافية، لحل أكثر المسائل أهمية.
وهي تسعى من أجل تحقيق النجاح الاقتصادي، إلى تعزيز العلاقات مع جميع المناطق والقارات في مختلف أنحاء العالم.
ومن المعروف أن تركيا ليست وحيدة في مطامحها تلك، بل هناك من ينافسها في هذا الشأن، خاصة جارتها إيران، وأعاد روديك إسكوجين، رئيس البعثة الدائمة لمجلس الاتحاد الروسي لدى الجمعية البرلمانية الآسيوية، إلى الأذهان أن تركيا بطموحها نحو القيادة الإقليمية، إنما تمس بمصالح طهران القوية تقليديا في المنطقة.
ويظهر استطلاع للرأي أجراه المعهد الأمريكي العربي في عدد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن شعبية إيران في تلك البلدان تقلصت، في حين ارتفعت شعبية تركيا ارتفاعا حادا.
ويرى كيهان بيرزيغار، مدير المعهد الإيراني لأبحاث الشرق الأوسط الاستراتيجية، أن نفوذ كل طرف منهما في المنطقة يختلف جوهريا عن نفوذ الطرف الآخر، وأن طهران تتمتع ببعض التفوق على أنقرة، وذلك بفضل مشروعها النووي، ونهجها المقاوم للسياسة الإسرائيلية والأمريكية. ولا يقل عن ذلك أهمية تحالفها مع دول ومنظمات صديقة مثل سوريا، والعراق، وحزب الله، وحماس.
أما الخبير في مركز دراسة الشرق الأوسط في سان بطرسبورغ، دميتري بافلوف، فيعتقد أن إيران تستطيع ممارسة نشاط أكبر في البلدان التي توجد فيها تيارات إسلامية قوية، ومنها على سبيل المثال مصر التي حظي جناح المعارضة الإسلامي فيها بدعم طهران.
ولعل الميزة التي تتصف بها تركيا، تتلخص في الجمع بين النظام العلماني الدستوري، والفكر الإسلامي المعتدل لحزب العدالة والتنمية الحاكم. والتحليل المعمق للوضع، يظهر بوضوح أن لدى طهران وأنقرة فرصا كبيرة للتعاون الثنائي، وليس كل شيء يشير إلى أنهما بصدد الاقتتال، وثمة مثال يؤكد ذلك، هو الحادث الذي وقع مؤخرا على الحدود، حيث صادرت القوات التركية شحنة أسلحة إيرانية كانت في طريقها إلى حزب الله اللبناني، ومر الحادث دون عواقب تذكر.
ويتابع كيهان بيرزيغار، قائلا: إن لإيران وتركيا، باعتبارهما جارتين، مصالح مشتركة في حفظ الأمن الإقليمي، بما في ذلك أمن موارد الطاقة. ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين اليوم حوالي 10 مليارات دولار، وهو مرشح للزيادة إلى 30 مليار دولار، وإلى ذلك تملك كل من طهران وأنقرة، أدوات للتأثير السياسي والاقتصادي على المنطقة.
ويمكن لهذا الأدوات أن يكمل بعضها بعضا. لكن رغم هذا فإن المنافسة بين البلدين قائمة، وإن كانت غير معلنة، ونتائجها بالقطع لن تحسم في المستقبل المنظور.