إذا ثبتت صحة التقارير الأخيرة حول اختراق الثوار الليبيين لمدينة الزاوية ذات الأهمية الاستراتيجية، فإن ذلك يعني أن الصراع الذي استمر نحو ستة أشهر قد شارف على الانتهاء. إن الاستيلاء على الزاوية يضع قوات المتمردين على بعد 30 ميلاً فقط من العاصمة طرابلس، وهي معقل العقيد معمر القذافي. وفي حين لا تزال القوات الموالية للقذافي تبدي مقاومة شرسة في أرجاء المدينة، فإن إطلاق قوات الحكومة الليبية لأول صاروخ سكود على مواقع المعارضة، يدل على حالة اليأس التي وصل إليها النظام.

 وبينما يشكل الازدياد المفاجئ لثروات الثوار موضع ترحيب، لا يزال حلف شمال الأطلسي وحلفاؤه يواجهون صعوبة بالغة في إقناع القذافي بالتخلي عن السلطة دون إراقة مزيد من الدماء. وتملك قوات القذافي نحو 200 صاروخ من طراز سكود، إلى جانب مخزون محدود من الأسلحة الكيميائية، يتكون في معظمه من غاز الخردل، الذي تمكن القذافي من تجميعه في فترة التسعينات. ويقدر مسؤولون في الاستخبارات الأميركية كمية غاز الخردل المتبقية بحوالي عشرة أطنان.

ولا بد من أن ذلك المخزون كان واحداً من أجهزة التوصيل التي أنشأها الرئيس العراقي السابق صدام حسين، خلال الفترة التي عرف عنه فيها امتلاكه للأسلحة النووية. وقد كان السبب الوحيد لامتناعه عن استخدام تلك الأسلحة، هو تهديد صارخ من واشنطن بمهاجمة العاصمة العراقية بغداد بالسلاح النووي. أما بالنسبة للقذافي.

فلا يزال هناك خطر من استخدامه لمخزونه الكيميائي، كمحاولة أخيرة للتمسك بالسلطة. وحتى الآن، لا يمكن تحديد ردة الفعل التي سيبديها حلف شمال الأطلسي في حال قرر القذافي اللجوء إلى الأسلحة الكيمائية. فهل سيكون الحلف مستعداً لاستخدام السلاح النووي في طرابلس إذا بدأ القذافي باستخدام مخزونه ضد الثوار؟ وهل سيقبل بذلك مجلس الأمن الدولي، الذي من المفترض أن تكون حماية المدنيين الليبيين شغله الشاغل؟

وبالتأكيد، لا يمكن استبعاد لجوء الديكتاتور الليبي لمثل تلك الوسائل، فيما تواصل قوات الثوار تنفيذ أعنف وأقوى هجماتها ضد مواقع القذافي منذ شهور.

إن عزوف القذافي عن التنحي سيشتد قوة بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية لمذكرة باعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وهي الخطوة التي حظيت بتأييد حماسي من وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ. ولكن ما الذي سيحفز الزعيم الليبي على التخلي عن منصبه عندما يكون كل ما ينتظره هو زنزانة سجن في لاهاي؟

وفي الحقيقة، إن الفوضى التي حلت بين قادة الثوار بعد مقتل قائدهم العسكري الجنرال عبد الفتاح يونس على يد متشددين إسلاميين، ستزيد من حماسة القذافي. ويعتبر المؤرخ البريطاني أليستير هورن مقتل الجنرال يونس نكسة كبيرة، ويثير تساؤلات خطيرة حول ما يأمل الثوار في تحقيقه في نهاية المطاف. قد يكون الصراع شارف على نهايته، إلا أن النتيجة النهائية لا تزال مجهولة.

وقد وجه الجنرال عبد الفتاح تحذيراً شديد اللهجة في إبريل/ نيسان الماضي، أكد فيه أن الزعيم الليبي لن يتردد في استخدام غاز الخردل إذا وجد نفسه في معركة يائسة حتى الموت.

وأضاف: "إنه سيحارب حتى آخر قطرة من دمه، فهو لا يزال يملك حوالي 25 في المئة من أسلحته الكيميائية، والتي لا يستبعد أن يستخدمها إذا وجد نفسه في وضع ميؤوس منه. فهو يقول دائماً: "إما أن أحكمكم أو أقتلكم."

وبالتأكيد، يتحتم على حلف شمال الأطلسي والثوار أن يكونوا على أهبة الاستعداد، ويضعوا نصب أعينهم إمكانية لجوء القذافي إلى تدابير يائسة من هذا القبيل.